فهرس الكتاب

الصفحة 2267 من 4059

{إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا(117)لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا(118)}

الْمَعْنَى: مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَتَّخِذُونَهُ إِلَهًا إِلَّا مُسَمَّيَاتٍ تَسْمِيَةَ الْإِنَاثِ.

وَكَنَّى بِالدُّعَاءِ عَنِ الْعِبَادَةِ، لِأَنَّ مَنْ عَبَدَ شَيْئًا دَعَاهُ عِنْدَ حَوَائِجِهِ وَمَصَالِحِهِ. وَكَانُوا يُحَلُّونَ الْأَصْنَامَ بِأَنْوَاعِ الْحُلِيِّ، وَيُسَمُّونَهَا أُنْثَى وَإِنَاثٌ، جَمْعُ أُنْثَى كَرِبَابٍ جَمْعُ رُبَّى.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: الْمُرَادُ الْخَشَبُ وَالْحِجَارَةُ، فَهِيَ مُؤَنَّثَاتٌ لَا تَعْقِلُ، فَيُخْبَرُ عَنْهَا كَمَا يُخْبَرُ عَنِ الْمُؤَنَّثِ مِنَ الْأَشْيَاءِ. فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: (إِلَّا إِنَاثًا) عِبَارَةً عَنِ الْجَمَادَاتِ.

وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ: كَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي أَصْنَامَهَا بِأَسْمَاءٍ مُؤَنَّثَةٍ كَاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ وَنَايِلَةَ.

وَيَرِدُ عَلَى هَذَا بِأَنَّهَا كَانَتْ تُسَمَّى أَيْضًا بِأَسْمَاءٍ مُذَكَّرَةٍ: كَهُبَلَ، وَذِي الْخُلَصَةِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: الْمُرَادُ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَعْتَقِدُهُ مِنْ تَأْنِيثِ الْمَلَائِكَةِ وَعِبَادَتِهِمْ إِيَّاهَا، فَقِيلَ لَهُمْ: هَذَا عَلَى إِقَامَةِ الْحُجَّةِ مِنْ فَاسِدِ قَوْلِهِمْ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ إِلَّا وَلَهُمْ صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ يُسَمُّونَهُ أُنْثَى بَنِي فُلَانٍ، وَفِي هَذَا تَعْبِيرُهُمْ بِالتَّأْنِيثِ لِنَقْصِهِ وَخَسَاسَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّذْكِيرِ.

وَقَالَ الرَّاغِبُ: أَكْثَرُ مَا عَبَدَتْهُ الْعَرَبُ مِنَ الْأَصْنَامِ كَانَتْ أَشْيَاءَ مُنْفَعِلَةً غَيْرَ فَاعِلَةٍ، فَبَكَّتْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ مَعَ كَوْنِهِمْ فَاعِلِينَ مِنْ وَجْهٍ يَعْبُدُونَ مَا لَيْسَ هُوَ إِلَّا مُنْفَعِلًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ: (لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ) .

(وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللَّهُ)

الْمُرَادُ بِهِ إِبْلِيسُ قَالَهُ: الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الصَّوَابُ، لِأَنَّ مَا قَالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُبَيِّنٌ أَنَّهُ هُوَ.

وَقِيلَ: الشَّيْطَانُ الْمُعَيَّنُ بِكُلِّ صَنَمٍ: أُفْرِدَ لَفْظًا وَهُوَ مَجْمُوعٌ فِي الْمَعْنَى الْوَاحِدُ يَدُلُّ عَلَى الْجِنْسِ.

قِيلَ كَانَ يَدْخُلُ فِي أَجْوَافِ الْأَصْنَامِ فَيُكَلِّمُ دَاعِيَهَا،

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةً، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُ.

وَقِيلَ: هُوَ دُعَاءٌ، وَلَا يَتَعَارَضُ الْحَصْرَانِ، لِأَنَّ دُعَاءَ الْأَصْنَامِ نَاشِئٌ عَنْ دُعَائِهِمُ الشَّيْطَانَ، لَمَّا عَبَدُوا الشَّيْطَانَ أَغْرَاهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، أَوْ لِاخْتِلَافِ الدُّعَاءَيْنِ، فَالْأَوَّلُ عِبَادَةٌ، وَالثَّانِي طَوَاعِيَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ عِيسَى: هُوَ مِثْلُ: (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى) يَعْنِي: أَنَّ نِسْبَةَ دُعَائِهِمُ الْأَصْنَامَ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ.

وَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ فَهُمْ يَدْعُونَ الشَّيْطَانَ.

(وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا)

أَيْ نَصِيبًا وَاجِبًا اقْتَطَعْتُهُ لِنَفْسِي مِنْ قَوْلِهِمْ: فَرَضَ لَهُ فِي الْعَطَاءِ، وَفَرْضُ الْجُنْدِ رِزْقُهُمْ.

وَالْمَعْنَى: لَأَسْتَخْلِصَنَّهُمْ لِغَوَايَتِي، وَلَأَخُصَّنَّهُمْ بِإِضْلَالِي، وَهُمُ الْكَفَرَةُ وَالْعُصَاةُ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمَفْرُوضُ هُنَا مَعْنَاهُ الْمُنْحَازُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَرْضِ، وَهُوَ الْحَزُّ فِي الْعُودِ وَغَيْرِهِ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ وَاجِبًا إِنِ اتَّخَذَهُ، وَبَعْثُ النَّارِ هُوَ نَصِيبُ إِبْلِيسَ.

قَالَ الْحَسَنُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعُونَ قَالُوا: وَلَفْظُ نَصِيبٍ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ فَقَطْ.

وَالنَّصُّ أَنَّ أَتْبَاعَ إِبْلِيسَ هُمُ الْكَثِيرُ بِدَلِيلِ: (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) (فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وَهَذَا مُتَعَارِضٌ.

وَأُجِيبَ أَنَّ التَّفَاوُتَ إِنَّمَا يَحْصُلُ فِي نَوْعِ الْبَشَرِ، أَمَّا إِذَا ضَمَمْتَ أَنْوَاعَ الْمَلَائِكَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ كَانَتِ الْكَثْرَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

وَأَيْضًا فَالْمُؤْمِنُونَ وَإِنْ كَانُوا قَلِيلِينَ فِي الْعَدَدِ، نُصِيبُهُمْ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

وَالْكُفَّارُ وَالْفُسَّاقُ وَإِنْ كَانُوا كَثِيرِينَ فَهُمْ كَالْعَدَمِ. انْتَهَى تلخيص ما أجيب بِهِ.

وَالَّذِي أَقُولُ: إِنَّ لَفْظَ نَصِيبٍ لَا يَدُلُّ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) الْآيَة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت