فهرس الكتاب

الصفحة 3409 من 4059

{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(72)}

لَمَّا أَعْقَبَ الْمُنَافِقِينَ بِذِكْرِ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ نَارِ جَهَنَّمَ، أَعْقَبَ الْمُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ نَعِيمِ الْجِنَانِ.

وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: (سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ) وَعْدًا إِجْمَالِيًّا فَصَّلَهُ هُنَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ هِيَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ، وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ دُورُ الْمُقَرَّبِينَ.

وَقِيلَ: دُورٌ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ مُخْتَلِفَةٌ فِي الصِّفَاتِ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْحَالَيْنِ بِهَا.

وَقِيلَ: قُصُورُ زَبَرْجَدٍ وَدُرٍّ وَيَاقُوتٍ يَفُوحُ طِيبُهَا مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ فِي أَمَاكِنِ إِقَامَتِهِمْ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ فِيهِ سَبْعُونَ دَارًا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَفِي كُلِّ دَارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِنْ زُمُرُدَةٍ خَضْرَاءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا»

وَذُكِرَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَشْيَاءُ، وَإِنْ صَحَّ هَذَا النَّقْلُ عَنِ الرَّسُولِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ. فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ أَيْ: إِقَامَةٍ.

وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: هِيَ بِالْفَارِسِيَّةِ الْكُرُومِ وَالْأَعْنَابِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَأَظُنُّ هَذَا مَا اخْتَلَطَ بِالْفِرْدَوْسِ.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَدْنٌ بُطْنَانُ الْجَنَّةِ وَشَرْقُهَا، وَعَنْهُ: وَسَطُ الْجَنَّةِ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ، جِنَانُهُ عَلَى حَافِيَتِهِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: مَدِينَةُ الْجَنَّةِ، وَعِظَمُهَا فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَالشُّهَدَاءُ وَأَئِمَّةُ الْعَدْلِ وَالنَّاسُ حَوْلَهُمْ بَعْدُ، وَالْجَنَّاتُ حَوْلَهَا.

وَقَالَ الْحَسَنُ: قَصْرٌ في الجن لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أو حكم عدل، ومدتها صَوْتَهُ.

وَعَنْهُ: قُصُورٌ مِنَ اللؤلؤ والياقوت الأحمر وَالزَّبَرْجَدِ.

وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَدْنٌ دَارُ اللَّهِ الَّتِي لَمْ تَرَهَا عَيْنٌ وَلَمْ تَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَلَا يَسْكُنْهَا غَيْرُ ثَلَاثَةٍ: النَّبِيُّونَ، وَالصِّدِّيقُونَ، وَالشُّهَدَاءُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: طُوبَى لِمَنْ دَخَلَكِ»

وَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنِ الرَّسُولِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هِيَ أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عمرو: قَصْرٌ حَوْلَهُ الْبُرُوجُ وَالْمُرُوجُ، لَهُ خَمْسَةُ آلَافِ بَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ خِيرَةٌ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ.

وَقِيلَ: قَصَّتُهُ الْجَنَّةُ فِيهَا نَهْرٌ عَلَى حَافَّتَيْهِ بَسَاتِينُ.

وَقِيلَ: التَّسْنِيمُ، وَفِيهِ قُصُورُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالذَّهَبِ، وَالْأَرَائِكُ عَلَيْهَا الْخَيِّرَاتُ الْحِسَانُ، سَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ لَا يَنْزِلُهَا إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، يَفُوحُ رِيحُهَا مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ.

وَهَذِهِ أَقْوَالٌ عَنِ السَّلَفِ كَثِيرَةُ الِاخْتِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ، وَبَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، إِذْ وَعَدَ اللَّهُ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَعَدْنٌ عَلَمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ) وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ الذِّكْرِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ عَدْنًا عَلَمٌ، لِأَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهَا وُصِفَ بالتي وَهِيَ مَعْرِفَةٌ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ جَنَّاتُ مُضَافَةً لِمَعْرِفَةٍ لَمْ تُوصَفْ بِالْمَعْرِفَةِ وَلَا يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ، إِذْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الَّتِي خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ أَعْنِي: أَوْ أَمْدَحُ، أَوْ بَدَلًا مِنْ جَنَّاتُ.

وَيَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: (الْجَنَّةَ) لِلْفَصْلِ بِالْبَدَلِ الَّذِي هُوَ جَنَّاتٍ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ النَّعْتُ وَالْبَدَلُ قُدِّمَ النَّعْتُ، وَجِيءَ بَعْدَهُ بِالْبَدَلِ.

وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَرِضْوَانٌ: بِضَمَّتَيْنِ.

قَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ: وَهِيَ لُغَةٌ، وَرِضْوَانٌ مُبْتَدَأٌ.

وَجَازَ الِابْتِدَاءُ بِهِ لِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِقَوْلِهِ: (مِنَ اللَّهِ) وَأَتَى بِهِ نَكِرَةً لِيَدُلَّ عَلَى مُطْلَقٍ أَيْ: وَشَيْءٌ مِنْ رِضْوَانِهِ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ.

وَالْعَبْدُ إِذَا عَلِمَ بِرِضَا مَوْلَاهُ عَنْهُ كَانَ أَكْبَرَ فِي نَفْسِهِ مِمَّا وَرَاءَهُ مِنَ النَّعِيمِ، وَإِنَّمَا يَتَهَيَّأُ لَهُ النَّعِيمُ بِعِلْمِهِ بِرِضَاهُ عَنْهُ. كَمَا أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ بِسُخْطِهِ تَنَغَّصَتْ حَالُهُ، وَلَمْ يَجِدْ لَهَا لَذَّةً.

وَمَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ مُوَافِقٌ لِمَا

رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِعِبَادِهِ إِذَا اسْتَقَرُّوا فِي الْجَنَّةِ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَكَيْفَ لَا نَرْضَى يَا رَبَّنَا؟ فَيَقُولُ: إِنِّي سَأُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ رِضْوَانِي، أَرْضَى عَنْكُمْ فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا»

وَقَالَ الْحَسَنُ: وَصَلَ إِلَى قُلُوبِهِمْ بِرِضْوَانِ اللَّهِ مِنَ اللَّذَّةِ وَالسُّرُورِ مَا هُوَ أَلَذُّ عِنْدَهُمْ وَأَقَرُّ لِأَعْيُنِهِمْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَصَابُوهُ مِنْ لَذَّةِ الْجَنَّةِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (ورضوان مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) إِشَارَةٌ إِلَى مَنَازِلِ الْمُقَرَّبِينَ الشَّارِبِينَ مِنْ تَسْنِيمٍ، وَالَّذِينَ يُرَوْنَ كَمَا يُرَى النَّجْمُ الْغَائِرُ فِي الْأُفُقِ، وَجَمِيعُ مَنْ فِي الْجَنَّةِ رَاضٍ، وَالْمَنَازِلُ مُخْتَلِفَةٌ، وَفَضْلُ اللَّهِ تَعَالَى مُتَّسِعٌ انْتَهَى.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رِضَاهُ تَعَالَى هُوَ سَبَبُ كُلِّ فَوْزٍ وَسَعَادَةٍ انْتَهَى.

وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى جَمِيعِ مَا سَبَقَ، أَوْ إِلَى الرِّضْوَانِ قَوْلَانِ، وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت