فهرس الكتاب

الصفحة 3592 من 4059

{فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ(83)}

الظَّاهِرُ فِي الْفَاءِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَدْلُولَهَا التَّعْقِيبُ أَنَّ هَذَا الْإِيمَانَ الصَّادِرَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ قِصَّةِ الْإِلْقَاءِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي (قَوْمِهِ) عَائِدٌ عَلَى مُوسَى، وَأَنَّهُ لَا يَعُودُ عَلَى فِرْعَوْنَ، لِأَنَّ مُوسَى هُوَ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَهُوَ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ. وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَائِدًا عَلَى فِرْعَوْنَ لَمْ يَظْهَرْ لَفْظُ فِرْعَوْنَ، وَكَانَ التَّرْكِيبُ عَلَى خوف منه. ومن ملئهم أَنْ يَفْتِنَهُمْ، وَهَذَا الْإِيمَانُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ كَانَ أَوَّلَ مَبْعَثِهِ إِذْ قَدْ آمَنَ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَوْمُهُ كُلُّهُمْ، كَانَ أَوَّلًا دَعَا الْآبَاءَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ خَوْفًا مِنْ فِرْعَوْنَ، وَأَجَابَتْهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَبْنَائِهِمْ مَعَ الْخَوْفِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْأَعْمَشُ: مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ قَوْمًا أَدْرَكَهُمْ مُوسَى وَلَمْ يُؤْمِنُوا، وَإِنَّمَا آمَنَ ذَرَارِيهِمْ بَعْدَ هَلَاكِهِمْ لِطُولِ الزَّمَنِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا قَوْلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، إِذَا آمَنَ قَوْمٌ بَعْدَ مَوْتِ آبَائِهِمْ، فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِمْ بَاسِمِ الذُّرِّيَّةِ.

وَأَيْضًا فَمَا رُوِيَ مِنْ أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُعْطِي هَذَا، وَيَنْفِيهِ قَوْلُهُ: (فَمَا آمَنَ) لِأَنَّهُ يُعْطِي تَقْلِيلَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأَنَّهُ نَفَى الْإِيمَانَ ثُمَّ أَوْجَبَهُ لِبَعْضِهِمْ، وَلَوْ كَانَ الْأَكْثَرُ مُؤْمِنًا لَأَوْجَبَ الْإِيمَانَ أَوَّلًا ثُمَّ نَفَاهُ عَنِ الْأَقَلِّ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَتَخَرَّجُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الذرية: إنه القليل، إلا أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ لَفْظَ الذُّرِّيَّةِ بِمَعْنَى الْقَلِيلِ كَمَا ظَنَّ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ.

وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: إِنَّمَا سَمَّاهُمْ ذُرِّيَّةً لِأَنَّ أُمَّهَاتِهِمْ كَانَتْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِمَاؤُهُمْ مِنَ الْقِبْطِ، رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَكَانَ يُقَالُ لَهُمُ الذُّرِّيَّةُ كَمَا قِيلَ لِفُرْسِ الْيَمَنِ الْأَبْنَاءُ، وَهُمُ الْفُرْسُ الْمُنْتَقِلُونَ مَعَ وَهُوزَ بِسِعَايَةِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ.

وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي (قَوْمِهِ) عَلَى مُوسَى: ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: وَكَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ، وَذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَخَلَ مِصْرَ فِي اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ نُفْسًا، فَتَوَالَدُوا بمصر حَتَّى صَارُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ.

وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي (قَوْمِهِ) يَعُودُ عَلَى فِرْعَوْنَ، رُوِيَ أَنَّهُ آمَنَتْ زَوْجَةُ فِرْعَوْنَ وَخَازِنُهُ وَامْرَأَةُ خَازِنِهِ وَشَبَابٌ مِنْ قَوْمِهِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: وَالسَّحَرَةُ أَيْضًا، فَإِنَّهُمْ مَعْدُودُونَ فِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانُوا سَبْعِينَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمِمَّا يُضَعِّفُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا قَدْ فَشَتْ فِيهِمُ السَّوْآتُ، وَكَانُوا فِي مُدَّةِ فِرْعَوْنَ قَدْ نَالَهُمْ ذُلٌّ مُفْرِطٌ، وَقَدْ رَجَوْا كَشْفَهُ عَلَى يَدِ مَوْلُودٍ يَخْرُجُ فِيهِمْ يَكُونُ نَبِيًّا، فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَصْفَقُوا عَلَيْهِ وَبَايَعُوهُ، وَلَمْ يُحْفَظْ قَطُّ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَفَرَتْ بِهِ، فَكَيْفَ تُعْطِي هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ الْأَقَلَّ مِنْهُمْ كَانَ الَّذِي آمَنَ، فَالَّذِي يَتَرَجَّحُ بِحَسَبِ هَذَا أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى فِرْعَوْنَ.

وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا تَقَدَّمَ مِنْ مُحَاوَرَةِ مُوسَى وَرَدِّهِ عَلَيْهِمْ، وَتَوْبِيخِهِمْ عَلَى قَوْلِهِمْ (هَذَا سِحْرٌ) فَذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ ثُمَّ قَالَ: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ) الَّذِي هَذِهِ أَقْوَالُهُمْ.

وَتَكُونُ الْقِصَّةُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بَعْدَ ظُهُورِ الْآيَةِ وَالتَّعْجِيزِ بِالْعَصَا، وَتَكُونُ الْفَاءُ مُرَتِّبَةً لِلْمَعَانِي الَّتِي عُطِفَتْ انْتَهَى.

وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى (فَمَا آمَنَ) أَيْ: مَا أَظْهَرَ إِيمَانَهُ وَأَعْلَنَ بِهِ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِ مُوسَى، فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ طَائِفَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَفَرَتْ بِهِ.

وَالظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: (وملئهم) عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَقَالَهُ الْأَخْفَشُ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْ: أَخْوَفُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الذَّرِّيَّةُ وَهُمْ أَشْرَافُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي قَوْمِهِ عَائِدًا عَلَى مُوسَى، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَمْنَعُونَ أَعْقَابَهُمْ خَوْفًا مِنْ فِرْعَوْنَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ يَفْتِنَهُمْ) أَيْ يُعَذِّبَهُمْ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أنْ يَقْتُلَهُمْ.

وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى قَوْمِهِ أَيْ: وَمَلَإِ قَوْمِ مُوسَى، أَوْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.

وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: عَلَى خَوْفٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ.

قَالَهُ الْفَرَّاءُ. كَمَا حُذِفَ فِي (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْخَوْفَ يُمْكِنُ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَلَا يُمْكِنُ سُؤَالُ الْقَرْيَةِ، فَلَا يُحْذَفُ إِلَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ.

وَقَدْ يُقَالُ: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ جَمْعُ الضَّمِيرِ فِي (وملئهم) .

وَقِيلَ: ثُمَّ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَوْنُ الْمَلِكِ لَا يَكُونُ وَحْدَهُ، بَلْ لَهُ حَاشِيَةٌ وَأَجْنَادٌ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ: عَلَى خَوْفٍ مِنْ فرعون وقومه وملئهم أَيْ: مَلَإِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وَقَالَهُ الْفَرَّاءُ أَيْضًا: وَقِيلَ: لَمَّا كَانَ مَلِكًا جَبَّارًا أُخْبِرَ عَنْهُ بِفِعْلِ الْجَمِيعِ.

وقيل: سميت الجماعة بفرعون مِثْلُ هُودٍ.

وَ (أَنْ يَفْتِنَهُمْ) بَدَلٌ مِنْ (فِرْعَوْنَ) بَدَلَ اشتمال أي: فتنته، فكون فِي مَوْضِعِ جَرٍّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِخَوْفٍ إِمَّا عَلَى التَّعْلِيلِ، وَإِمَّا عَلَى أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ بِهِ، أَيْ: عَلَى خَوْفٍ لِأَجْلِ فِتْنَتِهِ، أَوْ عَلَى خَوْفِ فِتْنَتِهِ.

وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَجَرَّاحٌ وَنُبَيْحٌ: (يَفْتِنَهُمْ) بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَفْتَنَ.

و (لعال) متجبر أَوْ بَاغٍ ظَالِمٍ، أَوْ مُتَعَالٍ أَوْ قَاهِرٍ كَمَا قَالَ:

فَاعْمَدْ لِمَا تَعْلُو فَمَا لَكَ بِالَّذِي ... لَا تَسْتَطِيعُ مِنَ الْأُمُورِ يَدَانِ

أَيْ لِمَا تَقْهَرُ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ، وَإِسْرَافُهُ كَوْنُهُ كَثِيرَ الْقَتْلِ وَالتَّعْذِيبِ.

وَقِيلَ: كَوْنُهُ مِنْ أَخَسِّ الْعَبِيدِ فَادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ، وَهَذَا الْإِخْبَارُ مُبَيِّنٌ سَبَبَ خَوْفِ أُولَئِكَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ.

وَفِي الْآيَةِ مَسْلَاةٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِلَّةِ مَنْ آمَنَ لموسى وَمَنِ اسْتَجَابَ لَهُ مَعَ ظُهُورِ ذَلِكَ الْمُعْجِزِ الْبَاهِرِ، وَلَمْ يُؤْمِنْ لَهُ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت