لَمَّا جَمَعَ الْفَرِيقَيْنِ فِي قَوْلِهِ: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا) وَذَكَرَ شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِ الْكُفَّارِ، ذَكَرَ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ إِدْخَالِهِمُ الْجَنَّةَ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: (وَأُدْخِلَ) مَاضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: (وَأُدْخِلُ) بِهَمْزَةِ الْمُتَكَلِّمِ مُضَارِعُ أَدْخَلَ أَيْ: وَأُدْخِلُ أَنَا.
وَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ الْمَلَائِكَةَ، وَالظَّاهِرُ تَعَلَّقَ (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) بِأُدْخِلَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) فَبِمَ يَتَعَلَّقُ يَعْنِي (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) فِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى، وَقَوْلِكَ وَأُدْخِلُهُمْ أَنَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ كَلَامٌ غَيْرُ مُلْئَتِمٍ؟
(قُلْتُ) الْوَجْهُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) بِمَا بَعْدَهُ أَيْ: تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ. (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) يَعْنِي: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُحَيُّونَهُمْ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ انْتَهَى.
فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: (تَحِيَّتُهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ: يَعْنِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُحَيُّونَهُمْ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ الْمَصْدَرِ الْمُنْحَلِّ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وَالْفِعْلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الرَّازِيُّ الْحَسَنُ: (أُدْخِلُ) بِرَفْعِ اللَّامِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ بِإِخْبَارِ الله تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أَلْطَفَ لَهُمْ وَأَحْنَى عَلَيْهِمْ.
وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ (تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ) فِي أَوَائِلِ سُورَةِ يُونُسَ.