فهرس الكتاب

الصفحة 2859 من 4059

{ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ(131)}

الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ وَهُوَ إِتْيَانُ الرُّسُلِ قَاصِّينَ الْآيَاتِ وَمُنْذِرِينَ بِالْحَشْرِ وَالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ بِسَبَبِ انْتِفَاءِ إِهْلَاكِ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا لَمْ يَنْتَهُوا بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ وَالْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ وَالتَّقَدُّمِ بِالْإِخْبَارِ بِمَا يَحِلُّ بِهِمْ، إِذَا لَمْ يَتَّبِعُوا الرُّسُلَ

وَفِي الْحَدِيثِ: «لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ» .

فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ.

وَقَالَ الزَّجَّاجُ قَرِيبًا مِنْ هَذَا أَيْ ذَلِكَ الَّذِي قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِ الرُّسُلِ وَأَمَرِ عَذَابِ مَنْ كَذَّبَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَا أَيْ لَا يُهْلِكُهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا.

وَقِيلَ: الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى السُّؤَالِ وَهُوَ (أَلَمْ يَأْتِكُمْ)

(أَنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ لِبَيَانِ أَنْ لَمْ يَكُنْ حَكَاهُ التِّبْرِيزِيُّ.

وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: الْإِشَارَةُ إِلَى مَا وُجِدَ مِنْهُمْ مَنِ التَّكْذِيبِ وَالْمَعَاصِي.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَارَ بِهِ إِلَى الْهَلَاكِ الَّذِي كَانَ بِالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ انْتَهَى.

وَلَا يَسْتَقِيمُ هَذَانِ الْقَوْلَانِ مَعَ قَوْلِهِ أَنْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ أَوِ الْإِهْلَاكَ لَيْسَ معللا بأن لم يكن.

وَمَعْنَى (وَأَهْلُها غافِلُونَ) أَيْ دُونَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالنِّذَارَةِ (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إِلَى الْقُرَى أَيْ ظَالِمَةٌ دُونَ أَنْ يُنْذِرَهُمْ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْقُشَيْرِيِّ أَيْ لَا يُهْلِكُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ مَا لَمْ يَبْعَثْ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ وَهَذَا الْوَجْهُ أَلْيَقُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُوهِمُ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ آخَذَهُمْ قَبْلَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ كَانَ ظَالِمًا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ تَعَالَى يَحْكُمُ مَا يَشَاءُ وَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لَوْ أَهْلَكَهُمْ وَهُمْ غَافِلُونَ لَمْ يَنْتَهُوا بِكِتَابٍ وَلَا رَسُولٍ لَكَانَ ظَالِمًا وَهُوَ مُتَعَالٍ عَنِ الظُّلْمِ وَعَنْ كُلِّ قَبِيحٍ.

وَقِيلَ: بِظُلْمٍ بِشِرْكِ مَنْ أَشْرَكَ مِنْهُمْ فَهُوَ مِثْلُ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.

وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: أَيْ لَمْ يَكُنْ يُهْلِكُهُمْ بِظُلْمِ أَنْفُسِهِمْ إِهْلَاكَ اسْتِئْصَالٍ وَتَعْذِيبٍ إِلَّا بَعْدَ تَقَدُّمِ وَعِيدٍ أَوْ سُؤَالِهِمُ الْعَذَابَ، وَلَا يُهْلِكُهُمْ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنِ الظُّلْمِ وَالْعِصْيَانِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بَلْ سُنَّتُهُ هَكَذَا لِئَلَّا يَقُولُوا: لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا وَكُلُّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنْهُ وَرَحْمَةٌ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يُهْلِكُهُمْ بِظُلْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَقِيلَ: بِظُلْمِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.

وَقِيلَ: بِجِنْسِ الظُّلْمِ حَتَّى يَرْتَكِبُوا مَعَ الظُّلْمِ غَيْرَهُ مِمَّا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنْ سَائِرِ الْقَبَائِحِ ذَكَرَهُ التبريري.

وَمَعْنَى (وَأَهْلُها غافِلُونَ) أَيْ لَا يُبَيِّنُ لَهُمْ كَيْفِيَّةَ الْحَالِ وَلَا يُزِيلُ [عُذْرَهُمْ] وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ غَافِلُونَ عَمَّا يُوعَظُونَ بِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت