قَالَ الضَّحَّاكُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: عَزَّى اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَعَلَى قَوْلِهِمَا يكون هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كُذِّبَ وَهُوَ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) وَزَوَالُ الْمُنَافَاةِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ كَقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا يُكَذِّبُونَكَ لَيْسَ هُوَ مِنْ نَفْيِ تَكْذِيبِهِ حَقِيقَةً.
قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِكَ لِغُلَامِكَ: مَا أَهَانُوكَ وَلَكِنْ أَهَانُونِي وَجَاءَ قَوْلُهُ: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمَّا سَلَّاهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ بِتَكْذِيبِكَ إِنَّمَا كَذَّبُوا اللَّهَ تَعَالَى سَلَّاهُ ثَانِيًا بِأَنَّ عَادَةَ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ قَبْلَكَ تَكْذِيبُ رُسُلِهِمْ، وَأَنَّ الرُّسُلَ صَبَرُوا فَتَأَسَّ بِهِمْ فِي الصَّبْرِ.
وَ (مَا) فِي قَوْلِهِ: (مَا) كُذِّبُوا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ فَصَبَرُوا عَلَى تَكْذِيبِهِمْ، وَالْمَعْنَى فَتَأَسَّ بِهِمْ فِي الصَّبْرِ عَلَى التَّكْذِيبِ وَالْأَذَى حَتَّى يَأْتِيَكَ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ كَمَا أَتَاهُمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَصَبَرُوا عَلى مَا كُذِّبُوا رَجَاءَ ثَوَابِي، وَأُوذُوا حَتَّى نُشِرُوا بِالْمَنَاشِيرِ وَحُرِّقُوا بِالنَّارِ، حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا بِتَعْذِيبِ مَنْ يُكَذِّبُهُمُ انْتَهَى.
وَفِي قَوْلِهِ: (نَصْرُنا) الْتِفَاتٌ إِذْ قَبْلَهُ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَبَلَاغَةُ هَذَا الِالْتِفَاتِ أَنَّهُ أَضَافَ النَّصْرَ إِلَى الضَّمِيرِ الْمُشْعِرِ بِالْعَظَمَةِ الْمُتَنَزِّلِ فِيهِ الْوَاحِدُ مَنْزِلَةَ الْجَمْعِ
(وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ لِمَوَاعِيدِ اللَّهِ وَلَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ قَالَ: لِمَوَاعِيدِهِ مِنْ قَوْلِهِ: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) .
وَقَالَ الزَّجَّاجُ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ وَمَا أَمَرَ بِهِ وَالْإِخْبَارُ وَالْأَوَامِرُ مِنْ كَلِمَاتِ اللَّهِ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلَى بَعْضِ مَا قَالَ الزَّجَّاجُ فَقَالَ: وَلَا رَادَّ لِأَوَامِرِهِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى لِحُكُومَاتِهِ وَأَقْضِيَتِهِ، كَقَوْلِهِ وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ أَيْ وَجَبَ مَا قَضَاهُ عَلَيْهِمْ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى تَبْدِيلِ كَلِمَاتِ اللَّهِ وَإِنْ زَخْرَفَ وَاجْتَهَدَ، لِأَنَّهُ تَعَالَى صَانَهُ بِرَصِينِ اللَّفْظِ وَقَوِيمِ الْمَعْنَى أَنْ يُخْلَطَ بِكَلَامِ أَهْلِ الزَّيْغِ.
وَقِيلَ: اللَّفْظُ خَبَرٌ وَالْمَعْنَى عَلَى النَّهْيِ أَيْ لَا يُبَدِّلُ أَحَدٌ كَلِمَاتِ اللَّهِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ لَا رَيْبَ فِيهِ أَيْ لَا يَرْتَابُونَ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ.
(وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ)
هَذَا فِيهِ تَأْكِيدُ تَثْبِيتٍ لِمَا تَقَدَّمَ الْإِخْبَارُ بِهِ مِنْ تَكْذِيبِ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ لِلرُّسُلِ وَإِيذَائِهِمْ وَصَبْرِهِمْ إِلَى أَنْ جَاءَ النَّصْرُ لَهُمْ عليهم.