فهرس الكتاب

الصفحة 3282 من 4059

{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ(58)}

الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ أَخْبَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا يَصْنَعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَعَ مَنْ يَخَافُ مِنْهُ خِيَانَةً إِلَى سَالِفِ الدَّهْرِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ هِيَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ.

وَلَا يَظْهَرُ مَا قَالَ، لِأَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ لَمْ يَكُونُوا فِي حَدِّ مَنْ يَخَافُ مِنْهُ خِيَانَةً، لِأَنَّ خِيَانَتَهُمْ كَانَتْ ظَاهِرَةً مَشْهُورَةً، وَلِقَوْلِهِ (مِنْ قَوْمٍ) فَلَوْ كَانَتْ فِي بَنِي قريظة وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْهُمْ.

وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: تَخافَنَّ بِمَعْنَى تَعْلَمُ وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.

وَقِيلَ الْخَوْفُ عَلَى بَابِهِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَظْهَرُ مِنْهُمْ مَبَادِئُ الشَّرِّ وَيُنْقَلُ عَنْهُمْ أَقْوَالٌ تَدُلُّ عَلَى الْغَدْرِ فَالْمَبَادِئُ مَعْلُومَةٌ.

وَالْخِيَانَةُ الَّتِي هِيَ غَايَةُ الْمَبَادِئِ مَخُوفَةٌ لَا مُتَيَقَّنَةٌ، وَلَفْظُ الْخِيَانَةِ دَالٌّ عَلَى تَقَدُّمِ عَهْدٍ لِأَنَّهُ مَنْ لَا عَهْدَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ لَا تَكُونُ مُحَارَبَتُهُ خِيَانَةً فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ إِذَا أَحَسَّ مِنْ أَهْلِ عَهْدٍ مَا ذَكَرْنَا، وَخَافَ خِيَانَتَهُمْ أَنْ يُلْقِيَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، وَهُوَ النَّبْذُ.

وَمَفْعُولُ (فَانْبِذْ) مَحْذُوفٌ التَّقْدِيرُ فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ أَيِ ارْمِهِ وَاطْرَحْهُ.

وَفِي قَوْلِهِ (فَانْبِذْ) عَدَمُ اكْتِرَاثٍ بِهِ كَقَوْلِهِ (فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ) (فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ) كَمَا قَالَ، نَبْذَ الْحَذَّاءِ الْمُرَقَّعِ، وَكَأَنَّهُ لَا يَنْبِذُ وَلَا يَرْمِي إِلَّا الشَّيْءَ التَّافِهَ الَّذِي لَا يُبَالِي بِهِ، وَقُوَّةُ هَذَا اللَّفْظِ تَقْتَضِي حَرْبَهُمْ وَمُنَاجَزَتَهُمْ أَنْ يَسْتَقْصُوا.

وَمعْنَى (عَلى سَواءٍ) أَيْ عَلَى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ قَصْدٍ، وَذَلِكَ أَنْ تُظْهِرَ لَهُمْ نَبْذَ الْعَهْدِ وَتُخْبِرَهُمْ إِخْبَارًا مَكْشُوفًا بَيِّنًا أَنَّكَ قَطَعْتَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَلَا تُنَاجِزْهُمُ الْحَرْبَ وَهُمْ عَلَى تَوَهُّمِ بَقَاءِ الْعَهْدِ فَيَكُونَ ذَلِكَ خِيَانَةً مِنْكَ.

(إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخائِنِينَ)

فَلَا يَكُنْ مِنْكَ إِخْفَاءٌ لِلْعَهْدِ.

وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: عَلى سَواءٍ عَلَى مَهَلٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الْآيَة.

وَقَالَ الْفَرَّاءُ الْمَعْنَى فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى اعْتِدَالٍ وَسَوَاءٍ مِنَ الْأَمْرِ أَيْ بَيِّنْ لَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَا ظَهَرَ مِنْهُمْ لَا تُفَرِّطْ وَلَا تَفْجَأْ بِحَرْبٍ بَلِ افْعَلْ بِهِمْ مِثْلَ مَا فَعَلُوا بِكَ، يَعْنِي مُوَازَنَةً وَمُقَايَسَةً.

وَظَاهِرُ إِنَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ: (فَانْبِذْ) أَيْ فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ عَلَى تَبَعُّدٍ مِنَ الْخِيَانَةِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخائِنِينَ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَعْنًا عَلَى الْخَائِنِينَ الَّذِينَ عَاهَدَهُمُ الرَّسُولُ.

وَيَحْتَمِلُ (عَلَى سَوَاءٍ) أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ فِي (فَانْبِذْ) أَيْ كَائِنًا عَلَى طَرِيقِ قَصْدٍ، أَوْ مِنَ الْفَاعِلِ وَالْمَجْرُورِ أَيْ كَائِنِينَ عَلَى اسْتِوَاءٍ فِي الْعِلْمِ أَوْ فِي الْعَدَاوَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت