(مُصِيبَةٌ)
اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَصَابَتْ، وَصَارَ لَهَا اخْتِصَاصٌ بِالشَّيْءِ الْمَكْرُوهِ، وَصَارَتْ كِنَايَةً عَنِ الدَّاهِيَةِ، فَجَرَتْ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ وَوَلِيَتِ الْعَوَامِلَ. وَأَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ: مِنَ التَّجْنِيسِ الْمُغَايِرِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ اسْمًا وَالْأُخْرَى فِعْلًا، ومنه: (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ) (إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ)
وَالْمُصِيبَةُ: كُلُّ مَا أَذَى الْمُؤْمِنَ فِي نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ أَهْلٍ، صَغُرَتْ أَوْ كَبُرَتْ، حَتَّى انْطِفَاءِ الْمِصْبَاحِ لِمَنْ يَحْتَاجُهُ يُسَمَّى: مُصِيبَةً.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ انْطِفَاءِ مِصْبَاحِهِ.
وَالْمَعْنَى فِي (إِذَا) هُنَا: عَلَى التَّكْرَارِ وَالْعُمُومِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي إِذَا، أَتَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ، أَمْ وُضِعَتْ لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ؟
قَوْلَانِ لِلنَّحْوِيِّينَ.
(قالُوا إِنَّا لِلَّهِ)
وَ (لِلَّهِ) مَعْنَاهُ الْإِقْرَارُ بِالْمُلْكِ وَالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، فَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِينَا بِمَا يُرِيدُ مِنَ الْأُمُورِ.
(وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ)
إِقْرَارٌ بِالْبَعْثِ وَتَنْبِيهٌ عَلَى مُصِيبَةِ الْمَوْتِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ، وَتَذْكِيرٌ أَنَّ مَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ دُونَهَا فَهُوَ قَرِيبٌ يَنْبَغِي أن يصبر لَهُ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِي هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ الْمَقُولَتَيْنِ أَقْوَالٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ نُفُوسَنَا وَأَمْوَالَنَا وَأَهْلِينَا لِلَّهِ لَا يَظْلِمُنَا فِيمَا يَصْنَعُهُ بِنَا.
الثَّانِي: أَسْلَمْنَا الْأَمْرَ لِلَّهِ وَرَضِينَا بِقَضَائِهِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ يَعْنِي: لِلْبَعْثِ لِثَوَابِ الْمُحْسِنِ وَمُعَاقَبَةِ الْمُسِيءِ.
الثَّالِثُ: رَاجِعُونَ إِلَيْهِ فِي جَبْرِ الْمُصَابِ وَإِجْزَالِ الثَّوَابِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ مَعْنَاهُ إِقْرَارٌ بِالْمَمْلَكَةِ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّا لِلَّهِ) ، وَإِقْرَارٌ بِالْهَلَكَةِ فِي قَوْلِهِ: (وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) .
وَفِي الْمُنْتَخَبِ مَا مُلَخَّصُهُ: أَنَّ إِسْنَادَ الْإِصَابَةِ إِلَى الْمُصِيبَةِ، لَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِيَعُمَّ مَا كَانَ مِنَ اللَّهِ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ. فَمَا كَانَ مِنَ اللَّهِ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: (إِنَّا لِلَّهِ) ، لِأَنَّ فِي الْإِقْرَارِ بِالْعُبُودِيَّةِ تَفْوِيضًا لِلْأُمُورِ إِلَيْهِ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ فَتَكْلِيفُهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى اللَّهِ فِي الْإِنْصَافِ مِنْهُ، وَلَا يَتَعَدَّى، كَأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ إِنَّا لِلَّهِ، يُدَبِّرُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَفِي الثَّانِي: إِنَّا إِلَيْهِ، يُنْصِفُ لَنَا كَيْفَ يَشَاءُ.
وَقِيلَ: إِنَّا لِلَّهِ، دَلِيلٌ عَلَى الرِّضَا بِمَا نَزَلَ بِهِ فِي الْحَالِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، دَلِيلٌ عَلَى الرِّضَا فِي الْحَالِ بِكُلِّ مَا سَيَنْزِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَاشْتَمَلَتِ الْآيَةُ عَلَى فَرْضٍ وَنَفْلٍ. فَالْفَرْضُ: التَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَالرِّضَا بِقَدَرِهِ، وَالصَّبْرُ عَلَى أَدَاءِ
فرائضه. والنفل: إظهارا لقول إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، وَفِي إِظْهَارِهِ فَوَائِدُ مِنْهَا: غَيْظُ الْكُفَّارِ لِعِلْمِهِمْ بِجِدِّهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ.