فهرس الكتاب

الصفحة 2755 من 4059

{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(68)}

هَذَا خِطَابٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ وَهُوَ سَمَاعُ الْخَوْضِ فِي آيَاتِ اللَّهِ يَشْمَلُهُ وَإِيَّاهُمْ.

وَقِيلَ: هو خاص بتوحيده لِأَنَّ قِيَامَهُ عَنْهُمْ كَانَ يشق عليهم وَفِرَاقَهُ عَلَى مُغَاضِبِهِ وَالْمُؤْمِنُونَ عِنْدَهُمْ لَيْسُوا كَهُوَ.

وَقِيلَ: خِطَابٌ لِلسَّامِعِ والَّذِينَ يَخُوضُونَ الْمُشْرِكُونَ أَوِ الْيَهُودُ أَوْ أَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، ورَأَيْتَ هُنَا بَصَرِيَّةٌ وَلِذَلِكَ تَعَدَّتْ إِلَى وَاحِدٍ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ حَالٍ مَحْذُوفَةٍ أَيْ وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا وَهُمْ خَائِضُونَ فِيهَا أَيْ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ مُلْتَبِسِينَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ.

وَقِيلَ: رَأَيْتَ عِلْمِيَّةٌ لِأَنَّ الْخَوْضَ فِي الْآيَاتِ لَيْسَ مِمَّا يُدْرَكُ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ حَذْفُ الْمَفْعُولِ الثَّانِي مِنْ بَابِ عَلِمْتُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا خَائِضِينَ فِيهَا وَحَذْفُهُ اقْتِصَارًا لَا يَجُوزُ وَحَذْفُهُ اخْتِصَارًا عَزِيزٌ جِدًّا حَتَّى أَنَّ بَعْضَ النَّحْوِيِّينَ مَنَعَهُ.

وَالْخَوْضُ فِي الْآيَاتِ كِنَايَةٌ عَنْ الِاسْتِهْزَاءِ بِهَا وَالطَّعْنِ فِيهَا. وَكَانَتْ قُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهَا تَفْعَلُ ذَلِكَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أَيْ لَا تُجَالِسْهُمْ وَقُمْ عَنْهُمْ وَلَيْسَ إِعْرَاضًا بِالْقَلْبِ وَحْدَهُ بَيَّنَهُ (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ)

(وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)

أَيْ إِنْ شَغَلَكَ بِوَسْوَسَتِهِ حَتَّى تَنْسَى النَّهْيَ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ فَلَا تَقْعُدْ مَعَهُمْ بَعْدَ الذِّكْرَى أَيْ ذِكْرِكَ النَّهْيَ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ وَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يُنْسِيكَ قَبْلَ النَّهْيِ قُبْحَ مُجَالَسَةِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لِأَنَّهَا مِمَّا تُنْكِرُهُ الْعُقُولُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى أَيْ بَعْدَ أَنْ ذَكَّرْنَاكَ قُبْحَهَا وَنَبَّهْنَاكَ عَلَيْهِ مَعَهُمْ انْتَهَى.

وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ قَدْ نُهِيَ عَنِ الْقُعُودِ مَعَهُمْ قَبْلُ ثُمَّ عُطِفَ عَلَى الشَّرْطِ السَّابِقِ هَذَا الشَّرْطُ فَكُلُّهُ مُسْتَقْبَلٌ، وَمَا أَحْسَنَ مَجِيءَ الشرط الأول بإذا الَّتِي هِيَ لِلْمُحَقَّقِ لِأَنَّ كَوْنَهُمْ يَخُوضُونَ فِي الْآيَاتِ مُحَقَّقٌ وَمَجِيءُ الشَّرْطِ الثَّانِي بإن لِأَنَّ إِنْ لِغَيْرِ الْمُحَقَّقِ وَجَاءَ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ تَنْبِيهًا عَلَى عِلَّةِ الْخَوْضِ فِي الْآيَاتِ وَالطَّعْنِ فِيهَا وَأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ ظُلْمُهُمْ وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَوَضْعُ الْأَشْيَاءِ غَيْرَ مَوَاضِعَهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت