فهرس الكتاب

الصفحة 1200 من 4059

{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) }

(أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ)

أَيْ: أَخْفَيْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ أَمْرِ النِّكَاحِ فَلَمْ تُعَرِّضُوا بِهِ وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِذِكْرٍ، وَكَانَ الْمَعْنَى رَفْعُ الْجُنَاحِ عَمَّنْ أَظْهَرَ بِالتَّعْرِيضِ أَوْ سَتَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَإِذَا ارْتَفَعَ الْحَرَجُ عَمَّنْ تَعَرَّضَ بِاللَّفْظِ فَأَحْرَى أَنْ يَرْتَفِعَ عَمَّنْ كَتَمَ، وَلَكِنَّهُمَا حَالَةُ ظُهُورٍ وَإِخْفَاءٍ عُفِيَ عَنْهُمَا.

وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّهُ يَعْقِدُ قَلْبَهُ عَلَى أَنَّهُ سَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَأَبَاحَ اللَّهُ التَّعْرِيضَ، وَحَرَّمَ التَّصْرِيحَ فِي الْحَالِ، وَأَبَاحَ عَقْدَ الْقَلْبِ عَلَى التَّصْرِيحِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِكْنَانُ فِي النَّفْسِ هُوَ الْمَيْلُ إِلَى الْمَرْأَةِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ إِيضَاحِ الْوَاضِحَاتِ، لِأَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْخِطْبَةِ أَعْظَمُ حَالًا مِنْ مَيْلِ الْقَلْبِ.

(عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ)

هَذَا عُذْرٌ فِي التَّعْرِيضِ، لِأَنَّ الْمَيْلَ مَتَى حَصَلَ فِي الْقَلْبِ عَسُرَ دَفْعُهُ، فَأَسْقَطَ اللَّهُ الْحَرَجَ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ طَرَفٌ مِنَ التَّوْبِيخِ، كَقَوْلِهِ: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ) وَجَاءَ الْفِعْلُ بِالسِّينِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَقَارُبِ الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ لَا تَرَاخِيهِ، لِأَنَّهُنَّ يذكرن عند ما انْفَصَلَتْ حِبَالُهُنَّ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ بِالْمَوْتِ، وَتَتُوقُ إِلَيْهِنَّ الْأَنْفُسُ، وَيُتَمَنَّى نِكَاحُهُنَّ.

وَقَالَ الْحَسَنُ، معنى: ستذكرونهن، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ لَمْ تُنْهَوْا. انْتَهَى.

وَقَوْلُهُ: (سَتَذْكُرُونَهُنَّ) شَامِلٌ لِذِكْرِ اللِّسَانِ وَذِكْرِ الْقَلْبِ، فَنَفَى الْحَرَجَ عَنِ التَّعْرِيضِ وَهُوَ كَسْرُ اللِّسَانِ، وَعَنِ الْإِخْفَاءِ فِي النَّفْسِ وَهُوَ ذِكْرُ الْقَلْبِ.

(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)

وَلَمَّا هَدَّدَهُمْ بِأَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَحَذَّرَهُمْ مِنْهُ، أَرْدَفَ ذَلِكَ بِالصِّفَتَيْنِ الْجَلِيلَتَيْنِ لِيُزِيلَ عَنْهُمْ بَعْضَ رَوْعِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ عِقَابِهِ، لِيَعْتَدِلَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ فِي الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، وَخَتَمَ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ الْمُقْتَضِيَتَيْنِ الْمُبَالَغَةَ فِي الْغُفْرَانِ وَالْحِلْمِ، لِيُقَوِّيَ رَجَاءَ الْمُؤْمِنِ فِي إِحْسَانِ اللَّهِ تَعَالَى، وَطَمَعَهُ فِي غُفْرَانِهِ وَحِلْمِهِ إِنْ زَلَّ وَهَفَا، وَأَبْرَزَ كُلَّ مَعْنًى مِنَ التَّحْذِيرِ وَالْإِطْمَاعِ فِي جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَكَرَّرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى لِلتَّفْخِيمِ، وَالتَّعْظِيمِ بِمَنْ يُسْنَدُ إِلَيْهِ الْحُكْمُ، وَجَاءَ خَبَرُ أَنَّ الْأُولَى بِالْمُضَارِعِ، لِأَنَّ مَا يَهْجِسُ فِي النُّفُوسِ يَتَكَرَّرُ فَيَتَعَلَّقُ الْعِلْمُ بِهِ، فَكَأَنَّ الْعِلْمَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ مُتَعَلّقِهِ، وَجَاءَ خَبَرُ أَنَّ الثَّانِيَةَ بِالِاسْمِ لِيَدُلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْوَصْفِ، وَأَنَّهُ قَدْ صَارَ كَأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ.

(فصل)

قِيلَ: وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ ضُرُوبًا مِنَ الْبَدِيعِ.

مِنْهَا: مَعْدُولُ الْخِطَابِ، وَهُوَ أَنَّ الْخِطَابَ بِقَوْلِهِ: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ) الْآيَةَ عَامٌّ وَالْمَعْنَى عَلَى الْخُصُوصِ.

وَمِنْهَا: النَّسْخُ، إِذْ هِيَ نَاسِخَةٌ لِلْحَوْلِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ.

وَمِنْهَا: الِاخْتِصَاصُ، وَهُوَ أَنْ يَخُصَّ عَدَدًا فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا لِمَعْنًى، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ:

(أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) وَمِنْهَا: الْكِنَايَةُ، فِي قَوْلِهِ: (وَلكِنْ لَا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا) كَنَّى بِالسِّرِّ عَنِ النِّكَاحِ، وَهِيَ مِنْ أَبْلَغِ الْكِنَايَاتِ.

وَمِنْهَا: التَّعْرِيضُ، فِي قَوْلِهِ: (يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ وَمِنْهَا: التَّهْدِيدُ، بِقَوْلِهِ فَاحْذَرُوهُ وَمِنْهَا: الزِّيَادَةُ فِي الْوَصْفِ، بِقَوْلِهِ:(غَفُورٌ حَلِيمٌ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت