لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ، إِذَا أُمِرُوا بِاتِّبَاعِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ وَرَجَعُوا إِلَى مَا أَلِفُوهُ مِنَ اتباع الباطل الذي نشأوا عَلَيْهِ وَوَجَدُوا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ، وَلَمْ يَتَدَبَّرُوا مَا يُقَالُ لَهُمْ، وَصَمُّوا عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ، وَخَرِسُوا عَنِ النُّطْقِ بِهِ، وَعَمُوا عَنْ إِبْصَارِ النُّورِ السَّاطِعِ النَّبَوِيِّ.
ذَكَرَ هَذَا التَّشْبِيهَ الْعَجِيبَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُنَبِّهًا عَلَى حَالَةِ الْكَافِرِ فِي تَقْلِيدِهِ أَبَاهُ وَمُحَقِّرًا نَفْسَهُ، إِذْ صَارَ هُوَ فِي رُتْبَةِ الْبَهِيمَةِ، أَوْ فِي رُتْبَةِ دَاعِيهَا، عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي سَيَأْتِي فِي هَذَا التَّشْبِيهِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ لَا بُدَّ فِي فَهْمِ مَعْنَاهَا مِنْ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ.
وَاخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ:
الْمَثَلُ مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الْكَافِرِ بِالنَّاعِقِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الْكَافِرِ بِالْمَنْعُوقِ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ مضروب بتشبيه داعي والكافر بِالنَّاعِقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الدَّاعِي وَالْكَافِرِ بِالنَّاعِقِ وَالْمَنْعُوقِ بِهِ.
(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)
لَمَّا تَقَرَّرَ فَقْدُهُمْ لِمَعَانِي هَذِهِ الْحَوَاسِّ، قَضَى بِأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ. كَمَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: الْعَقْلُ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ يُعْطِيهَا هَذِهِ الْحَوَاسَّ، إِذْ لَا بُدَّ فِي كَسْبِهَا مِنَ الْحَوَاسِّ. انْتَهَى.
قِيلَ: وَالْمُرَادُ الْعَقْلُ الِاكْتِسَابِيُّ، لِأَنَّ الْعَقْلَ الْمَطْبُوعَ كَانَ حَاصِلًا لَهُمْ، وَالْعَقْلُ عَقْلَانِ: مَطْبُوعٌ وَمَكْسُوبٌ.
وَلَمَّا كَانَ الطَّرِيقُ لِاكْتِسَابِ الْعَقْلِ الْمُكْتَسَبِ هُوَ الِاسْتِعَانَةُ بِهَذِهِ الْقُوَى الثَّلَاثِ، كَانَ إِعْرَاضُهُمْ عَنْهَا فَقْدًا لِلْعَقْلِ الْمُكْتَسَبِ، وَلِهَذَا قِيلَ: مَنْ فَقَدَ حِسَّا فَقَدْ فَقَدَ عَقْلًا.