{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) }
ذَكَرَ الزَّهْرَاوِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ أنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ قِيلَ: وَفِي الْمُسْتَهْزِئِينَ مَعَهُ لِأَنَّهُ عَارَضَ الْقُرْآنَ بِقَوْلِهِ: وَالزَّارِعَاتِ زَرْعًا وَالْخَابِزَاتِ خبزا والطابخات طبخا والطاحنات طَحْنًا وَاللَّاقِمَاتِ لَقْمًا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ السَّخَافَاتِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِهَا مُسَيْلِمَةُ الْحَنَفِيُّ وَالْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ وَذَكَرُوا رُؤْيَةَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسِّوَارَيْنِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهُوَ مُسَيْلِمَةُ الْحَنَفِيُّ أَوْ كَذَّابُ صَنْعَاءَ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمُرَادُ بِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيُّ أَخُو عُثْمَانَ مِنَ الرَّضَاعَةِ كَتَبَ آيَةَ قَدْ أَفْلَحَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَمْلَى عَلَيْهِ (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ) عَجِبَ مِنْ تَفْصِيلِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فَقَالَ: (فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) فَقَالَ الرَّسُولُ: «اكْتُبْهَا فَهَكَذَا أُنْزِلَتْ» فَتَوَهَّمَ عَبْدُ اللَّهِ وَلَحِقَ بِمَكَّةَ مُرْتَدًّا وَقَالَ: أَنَا أُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَوَّلُهَا فِي مُسَيْلِمَةَ وَآخِرُهَا فِي ابْنِ أَبِي سَرْحٍ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أُمْلِيَ عَلَيْهِ سَمِيعًا عَلِيمًا كَتَبَ هُوَ عَلِيمًا حَكِيمًا وَإِذَا قَالَ: عَلِيمًا حَكِيمًا كَتَبَ هُوَ غَفُورًا رَحِيمًا،
وَقَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ: نَزَلَتْ فِي ابْنِ أَبِي سَرْحٍ (وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) ارْتَدَّ وَدَخَلَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فَغَيَّبَهُ عُثْمَانُ وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ حَتَّى اطْمَأَنَّ أَهْلُ مَكَّةَ ثُمَّ أَتَى بِهِ الرَّسُولَ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ الرَّسُولَ فَأَمَّنَهُ. انْتَهَى.
وَقَدْ وَلَّاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي أَيَّامِهِ وَفُتِحَتْ عَلَى يَدَيْهِ الْأَمْصَارُ فَفَتَحَ أَفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَغَزَا الْأَسَاوِدَ مِنْ أَرْضِ النَّوْبَةِ وَهُوَ الَّذِي
هَادَنَهُمُ الْهُدْنَةَ الْبَاقِيَةَ إِلَى الْيَوْمِ وَغَزَا الصَّوَارِيَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ وَكَانَ قَدْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ شَيْءٌ يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَحَدُ النُّجَبَاءِ الْعُقَلَاءِ الْكُرَمَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ وَفَارِسُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَأَقَامَ بِعَسْقَلَانَ.
قِيلَ: أَوِ الرَّمَلَةِ فَارًّا مِنَ الْفِتْنَةِ حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ سِتٍّ.
قِيلَ: أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَدَعَا رَبَّهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَاتِمَةَ عَمَلِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَقُبِضَ آخِرَ الصُّبْحِ وَقَدْ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَذَهَبَ يُسَلِّمُ عَنْ يَسَارِهِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى مُعَاوِيَةَ.
وَلَمَّا ذَكَرَ الْقُرْآنَ وَأَنَّهُ كِتَابٌ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِهِ مُبَارَكٌ أَعْقَبَهُ بِوَعِيدِ مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ عَلَى سَبِيلِ الِافْتِرَاءِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى (وَمَنْ أَظْلَمُ) وَفَسَّرُوهُ بِأَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ النَّفْيُ أَيْ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ وَبَدَأَ أَوَّلًا بِالْعَامِّ وَهُوَ افْتِرَاءُ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِافْتِرَاءُ بِادِّعَاءِ وَحْيٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ ثَانِيًا بِالْخَاصِّ وَهُوَ افْتِرَاءٌ مَنْسُوبٌ إِلَى وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَوْ غَيْرُ مُوحًى إِلَيْهِ لِأَنَّ مَنْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَهُوَ مُوحًى إِلَيْهِ هُوَ صَادِقٌ ثُمَّ ثَانِيًا بِأَخَصَّ مِمَّا قَبْلَهُ، لِأَنَّ الْوَحْيَ قَدْ يَكُونُ بِإِنْزَالِ قُرْآنٍ وَبِغَيْرِهِ وَقِصَّةُ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ هِيَ دَعْوَاهُ أَنَّهُ سَيُنْزِلُ قُرْآنًا مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَقَوْلُهُ: (مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) لَيْسَ مُعْتَقَدُهُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ شَيْئًا وَإِنَّمَا الْمَعْنَى مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى زَعْمِكُمْ وَإِعَادَةُ (مَنْ) تَدُلُّ عَلَى تَغَايُرِ مَدْلُولِهِ لِمَدْلُولِ مَنْ الْمُتَقَدِّمَةِ فَالَّذِي قَالَ سَأُنْزِلُ غَيْرُ مَنِ افْتَرَى أَوْ قَالَ أُوحِيَ، وَإِنْ كَانَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ انْطِلَاقَ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ
وَقَوْلُهُ: (سَأُنْزِلُ) وَعْدٌ كَاذِبٌ وَتَسْمِيَتُهُ إِنْزَالًا مَجَازٌ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى سَأَنْظِمُ كَلَامًا يُمَاثِلُ مَا ادَّعَيْتُمْ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا فِي مَخْصُوصِينَ فَهِيَ شَامِلَةٌ لِكُلِّ مَنِ ادَّعَى مِثْلَ دَعْوَاهُمْ كَطُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ وَالْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيِّ وَسِجَاحٍ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ عَالَمٌ كَثِيرُونَ كَانَ مِمَّنْ عَاصَرْنَاهُ إِبْرَاهِيمُ الْغَازَازِيُّ الْفَقِيرُ ادَّعَى ذَلِكَ بِمَدِينَةِ مَالِقَةَ وَقَتَلَهُ السُّلْطَانُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ نَصْرٍ الْخَزْرَجَيُّ مَلِكُ الْأَنْدَلُسِ بِغَرْنَاطَةَ وَصَلَبَهُ، وَبَارْقَطَاشُ بْنُ قَسِيمٍ النِّيلِيُّ الشَّاعِرُ تَنَبَّأَ بِمَدِينَةِ النِّيلِ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ وَلَهُ قُرْآنٌ صَنَعَهُ وَلَمْ يُقْتَلْ، لِأَنَّهُ كَانَ يُضْحَكُ مِنْهُ وَيُضَعَّفُ فِي عَقْلِهِ.
(وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ)
الظَّالِمُونَ عَامٌّ انْدَرَجَ فِيهِ الْيَهُودُ وَالْمُتَنَبِّئَةُ وَغَيْرُهُمْ.
وَقِيلَ: الْ لِلْعَهْدِ أَيْ مِنَ الْيَهُودِ وَمَنْ تَنَبَّأَ وَهُمُ الَّذِينَ تقدم ذكرهم.
(وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِالضَّرْبِ أَيْ مَلَائِكَةُ قَبْضِ الرُّوحِ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ عِنْدَ قَبْضِهِ وَقَالَهُ الْفَرَّاءُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ بَسْطِ الْيَدِ لِاشْتِرَاكِ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي ذَلِكَ وهذا أوائل العذاب وأمارته.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ: بِالْعَذَابِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا: هَذَا يَكُونُ فِي النَّارِ.
(أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ)
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَبْسُطُونَ إِلَيْهِمْ أَيْدِيَهُمْ يَقُولُونَ: هَاتُوا أَرْوَاحَكُمْ أَخْرِجُوهَا إِلَيْنَا مِنْ أَجْسَادِكُمْ وَهَذِهِ عِبَارَةٌ عَنِ الْعُنْفِ فِي السِّيَاقِ وَالْإِلْحَاحِ الشَّدِيدِ فِي الْإِزْهَاقِ مِنْ غَيْرِ تَنْفِيسٍ وَإِمْهَالٍ وَأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِمْ فِعْلَ الْغَرِيمِ الْمُسَلَّطِ بِبَسْطِ يَدِهِ إِلَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَيُعَنِّفُ عَلَيْهِ فِي الْمُطَالَبَةِ وَلَا يُمْهِلُهُ وَيَقُولُ لَهُ أَخْرِجْ إِلَيَّ مَا لِي عَلَيْكَ السَّاعَةَ وَإِلَّا أُدِيمُ مَكَانِي حَتَّى أَنْزِعَهُ مِنْ أَصْدِقَائِكَ وَمَنْ قَالَ: إِنَّ بَسْطَ الْأَيْدِي هُوَ فِي النَّارِ فَالْمَعْنَى أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْمَصَائِبِ وَالْمِحَنِ وَخَلِّصُوهَا إِنْ كَانَ مَا زَعَمْتُمُوهُ حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَفِي ذَلِكَ تَوْقِيفٌ وَتَوْبِيخٌ عَلَى سَالِفِ فِعْلِهِمُ الْقَبِيحِ.
وَقِيلَ هُوَ أَمْرٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِهَانَةِ وَالْإِرْعَابِ وَأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَوَلَّى إِزْهَاقَ نَفْسِهِ.
(الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ)
أَيِ الْهَوَانِ، و (الْيَوْمَ) مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا فِي الدُّنْيَا كَانَ عِبَارَةً عَنْ وَقْتِ الْإِمَاتَةِ وَالْعَذَابُ مَا عُذِّبُوا بِهِ مِنْ شَدَّةِ النَّزْعِ أَوِ الْوَقْتِ الْمُمْتَدِّ الْمُتَطَاوِلِ الَّذِي يَلْحَقُهُمْ فِيهِ الْعَذَابُ فِي الْبَرْزَخِ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا فِي الْقِيَامَةِ كَانَ عِبَارَةً عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ عَنْ وَقْتِ خِطَابِهِمْ فِي النَّارِ.
وَأَضَافَ الْعَذَابَ إِلَى الْهُونِ لِتَمَكُّنِهِ فِيهِ لِأَنَّ التَّنْكِيلَ قَدْ يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الزَّجْرِ وَالتَّأْدِيبِ، وَلَا هَوَانَ فِيهِ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْهَوَانِ.
(بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ)
الْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ يَشْمَلُ كُلَّ نَوْعٍ مِنَ الْكُفْرَ وَيَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أَوْلَوِيًّا مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ.
(وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)
أَيْ عَنِ الْإِيمَانِ بِآيَاتِهِ وَجَوَابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَرَأَيْتَ أَمْرًا عَظِيمًا وَلَرَأَيْتَ عَجَبًا، وَحَذْفُهُ أَبْلَغُ مِنْ ذكره
وترى بِمَعْنَى رَأَيْتَ لِعَمَلِهِ فِي الظرف الماضي وهو وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا جملة حالية وأَخْرِجُوا مَعْمُولٌ لِحَالٍ مَحْذُوفَةٍ أَيْ قائلين أخرجوا، وما في (بما) مصدرية.