{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) }
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عباس، وَالْحَسَنُ: نَزَلَتْ فِي الْجَاحِدِينَ حُكْمَ اللَّهِ، وَهِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ جَحَدَ حُكْمَ اللَّهِ.
وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: نَزَلَ (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ) - إِلَى - (فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) فِي الْيَهُودِ خَاصَّةً وَذَكَرَ قِصَّةَ رَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ.
وَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) نَزَلَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ نَعَمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو مِجْلِزٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ: هِيَ فِي الْيَهُودِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ عَلَيْنَا وَاجِبَةٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: «نَحْنُ نَحْكُمُ عَلَى الْيَهُودِ وَعَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ»
وَفِي الْآيَةِ تَرْغِيبٌ لِلْيَهُودِ بِأَنْ يَكُونُوا كَمُتَقَدِّمِيهِمْ مِنْ مُسْلِمِي أَحْبَارِهِمْ، وَتَنْبِيهُ الْمُنْكِرِينَ لِوُجُوبِ الرجم.
وقال جَمَاعَةٌ: الْهُدَى وَالنُّورُ سَوَاءٌ، وَكَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَا سَوَاءً، فَالْهُدَى مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْأَحْكَامِ، وَالنُّورُ وَالْبَيَانُ لِلتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَهْدِي لِلْعَدْلِ وَالْحَقِّ، وَنُورٌ يُبَيِّنُ مَا اسْتُبْهِمَ مِنَ الْأَحْكَامِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْهُدَى الْإِرْشَادُ الْمُعْتَقَدُ وَالشَّرَائِعُ، وَالنُّورُ مَا يُسْتَضَاءُ بِهِ مِنْ أَوَامِرِهَا وَنَوَاهِيهَا.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى فِيهَا بَيَانُ أَمْرِ الرَّسُولِ وَمَا جَاءُوا يَسْتَفْتُونَ فِيهِ.
(يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا)
ظَاهِرُ قَوْلِهِ: (النَّبِيُّونَ) الْجَمْعُ.
قَالُوا: وَهُمْ مِنْ لَدُنْ مُوسَى إِلَى عِيسَى.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُحَمَّدٌ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقِيلَ: النَّبِيُّونَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ حِينَ حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالرَّجْمِ وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ)
و (الَّذِينَ أَسْلَمُوا) وَصْفٌ مَدَحَ الْأَنْبِيَاءَ كَالصِّفَاتِ الَّتِي تَجْرِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأُرِيدَ بِإِجْرَائِهَا التَّعْرِيضُ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، حَيْثُ قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا يَهُودًا، وَالنَّصَارَى قَالَتْ: كَانُوا نَصَارَى، فَبَيَّنَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، كَمَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَلِذَلِكَ جَاءَ: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) وَنَبَّهَ بِهَذَا الْوَصْفِ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بُعَدَاءُ مِنْ هَذَا الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ، وَأَنَّهُ كَانَ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا.
وَفِي قَوْلِهِ: (لِلَّذِينِ هَادُوا) تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، بَلْ هُمْ بُعَدَاءُ مِنْ ذَلِكَ.
وَاللَّامُ فِي (لِلَّذِينِ هَادُوا) إِذَا عُلِّقَتْ بَيَحْكُمُ لِلِاخْتِصَاصِ، فَيَشْمَلُ مَنْ يَحْكُمُ لَهُ وَمَنْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: ثَمَّ مَحْذُوفٌ أَيْ: لِلَّذِينِ هَادُوا وَعَلَيْهِمْ.
وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى (عَلَى) أَيْ عَلَى الَّذِينَ هَادُوا.
وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُمُ الْعُلَمَاءُ. قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الرَّبَّانِيُّونَ الْفُقَهَاءُ الْعُلَمَاءُ، وَهُمْ فَوْقَ الْأَحْبَارِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الرَّبَّانِيُّونَ الْعُلَمَاءُ، وَالْأَحْبَارُ الْفُقَهَاءُ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّبَّانِيُّونَ الْوُلَاةُ، وَالْأَحْبَارُ الْعُلَمَاءُ.
وَقِيلَ: الرَّبَّانِيُّونَ عُلَمَاءُ النَّصَارَى، وَالْأَحْبَارُ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ الزُّهَّادُ، وَالْعُلَمَاءُ مِنْ وَلَدِ هَارُونَ الَّذِينَ الْتَزَمُوا طَرِيقَةَ النَّبِيِّينَ وَجَانَبُوا، دِينَ الْيَهُودِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمُرَادُ هُنَا بِالرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارِ الَّذِينَ يحكمون بِالتَّوْرَاةِ ابْنَا صُورِيَّا كَانَ أَحَدُهُمَا رَبَّانِيًّا، وَالْآخَرُ حَبْرًا، وَكَانَا قَدْ أَعْطَيَا النَّبِيَّ عَهْدًا أَنْ لَا يَسْأَلَهُمَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ التَّوْرَاةِ إِلَّا أَخْبَرَاهُ بِهِ، فَسَأَلَهُمَا عَنْ أَمْرِ الرَّجْمِ فَأَخْبَرَاهُ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ مُشِيرَةً إِلَيْهِمَا.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ. وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ أَنَّ ابْنَا صُورِيَّا وَغَيْرَهُمْ جَحَدُوا أَمْرَ الرَّجْمِ، وَفَضَحَهُمْ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَإِنَّمَا اللَّفْظُ فِي كُلِّ حَبْرٍ مُسْتَقِيمٍ فِيمَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ، وَأَمَّا فِي مُدَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَوْ وُجِدَ لَأَسْلَمَ، فَلَمْ يُسَمَّ حَبْرًا وَلَا رَبَّانِيًّا انْتَهَى.
(بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ)
الْبَاءُ فِي (بِمَا) لِلسَّبَبِ، وَتَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (يَحْكُمُ) .
وَاسْتَفْعَلَ هُنَا لِلطَّلَبِ، وَالْمَعْنَى: بِسَبَبِ مَا اسْتُحْفِظُوا.
وَالضَّمِيرُ فِي (اسْتُحْفِظُوا) عَائِدٌ عَلَى النَّبِيِّينَ وَالرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارِ أَيْ: بِسَبَبِ مَا طَلَبَ اللَّهُ مِنْهُمْ حِفْظَهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ التَّوْرَاةُ، وَكَلَّفَهُمْ حِفْظَهَا، وَأَخَذَ عَهْدَهُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَلِ بِهَا وَالْقَوْلِ بِهَا، وَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ حِفْظَ الْكِتَابِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حِفْظُهُ فِي صُدُورِهِمْ وَدَرْسُهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ.
وَالثَّانِي: حِفْظُهُ بِالْعَمَلِ بِأَحْكَامِهِ وَاتِّبَاعِ شَرَائِعِهِ. وَهَؤُلَاءِ ضَيَّعُوا مَا اسْتُحْفِظُوا حَتَّى تَبَدَّلَتِ التَّوْرَاةُ.
وَفِي بِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ وَكَوْنِ الْفِعْلِ لِلطَّلَبِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَتَكَفَّلْ بِحِفْظِ التَّوْرَاةِ، بَلْ طَلَبَ مِنْهُمْ حِفْظَهَا وَكَلَّفَهُمْ بِذَلِكَ، فَغَيَّرُوا وَبَدَّلُوا وَخَالَفُوا أَحْكَامَ اللَّهِ بِخِلَافِ كِتَابِنَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ تَبْدِيلٌ وَلَا تَغْيِيرٌ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)
وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي (اسْتُحْفِظُوا) عَائِدٌ عَلَى الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارِ فَقَطْ.
وَالَّذِينَ اسْتَحْفَظَهُمُ التَّوْرَاةَ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ.
(وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ)
الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَيْ: كَانُوا عَلَيْهِ رُقَبَاءَ لِئَلَّا يُبَدَّلَ.
وَالْمَعْنَى يَحْكُمُ بِأَحْكَامِ التَّوْرَاةِ النَّبِيُّونَ بَيْنَ موسى وعيسى، وَكَانَ بَيْنَهُمَا أَلْفُ نَبِيٍّ لِلَّذِينِ هَادُوا يَحْمِلُونَهُمْ عَلَى أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ لَا يَتْرُكُونَهُمْ أَنْ يَعْدِلُوا عَنْهَا، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حَمْلِهِمْ عَلَى حُكْمِ الرَّجْمِ وَإِرْغَامِ أُنُوفِهِمْ، وَإِبَائِهِمْ عَلَيْهِمْ مَا اشْتَهَوْهُ مِنَ الْجَلْدِ.
وَقِيلَ: الْهَاءُ تَعُودُ عَلَى الْحُكْمِ أَيْ: وَكَانُوا شُهَدَاءَ عَلَى الْحُكْمِ.
وَقِيلَ: عَائِدٌ عَلَى الرَّسُولِ أَيْ: وَكَانُوا شُهَدَاءَ عَلَى أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.