وَلَمَّا قَالَ الْكُفَّارُ: (لَسْتَ مُرْسَلًا) أَيْ: إِنَّمَا أَنْتَ مُدَّعٍ مَا لَيْسَ لَكَ، أَمَرَهُ تَعَالَى أَنْ يَكْتَفِيَ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَهُمْ، إِذْ قَدْ أَظْهَرَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى رِسَالَتِهِ مَا فِي بَعْضِهَا كِفَايَةٌ لِمَنْ وُفِّقَ، ثُمَّ أَرْدَفَ شَهَادَةَ اللَّهِ بِشَهَادَةِ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ.
وَالْكِتَابُ هُنَا الْقُرْآنُ، وَالْمَعْنَى: إِنَّ مَنْ عَرِفَ مَا أُلِّفَ فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي الصَّحِيحَةِ وَالنَّظْمِ الْمُعْجِزِ الْفَائِتِ لِقُدَرِ الْبَشَرِ يَشْهَدُ بِذَلِكَ.
وَقِيلَ: الْكِتَابِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، وَالَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ: مَنْ أَسْلَمَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ نَعْتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي كُتُبِهِمْ.
قَالَ قَتَادَةُ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَتَمِيمِ الدَّارِيِّ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ خَاصَّةً.
وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ لَا يَسْتَقِيمَانِ إِلَّا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مَدَنِيَّةً، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْبَاقِرُ: هُوَ علي بن أبي طالب.
وقيل: جبريل، وَالْكِتَابُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ.
وَقِيلَ: هُوَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَهُ: الْحَسَنُ، وَابْنُ جُبَيْرٍ وَالزَّجَّاجُ.
وَعَنِ الْحَسَنِ: لَا وَاللَّهِ مَا يَعْنِي إِلَّا اللَّهُ، وَالْمَعْنَى: كَفَى بِالَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ، وَبِالَّذِي لَا يَعْلَمُ مَا فِي اللَّوْحِ إِلَّا هُوَ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.
وَ (مَنْ) فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلَى لَفْظِ (اللَّه) أَوْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ اللَّهِ، إِذْ هُوَ فِي مَذْهَبِ مَنْ جعل الباء زائدة فاعل بكفى.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رفع بالابتداء، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أَعْدَلُ وَأَمْضَى قَوْلًا وَنَحْوَ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظَةُ (شَهِيدًا) وَيُرَادُ بِذَلِكَ اللَّهُ تعالى.
وقرئ: (وَبِمَنْ) بِدُخُولِ الْبَاءِ عَلَى مَنْ عَطْفًا عَلَى (بِاللَّهِ) .
وَقَرَأَ عَلِيٌّ وَأُبَيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ وَالضَّحَّاكُ وَسَالِمُ بْنُ عبد الله بن عمرو بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَكَمُ، وَالْأَعْمَشُ: (وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ) بِجَعْلِ (مِنْ) حَرْفُ جَرٍّ، وَجُرَّ مَا بَعْدَهُ بِهِ، وَارْتِفَاعُ عِلْمُ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الْجَرِّ.
وَقَرَأَ عَلِيٌّ أَيْضًا وَابْنُ السَّمَيْفَعِ، وَالْحَسَنُ بِخِلَافٍ عَنْهُ.
وَمَنْ عِنْدَهُ بِجَعْلِ مِنْ حَرْفُ جَرٍّ عِلْمُ الْكِتَابِ، بِجَعْلِ عُلِمَ فعلا مبنيا للمفعول، والكتاب رفع به.
وقرئ (وَمِنْ عِنْدِهِ) بِحَرْفِ جَرٍّ (عُلِّمَ الْكِتَابُ) مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَالضَّمِيرُ فِي (عِنْدِهِ) فِي هَذِهِ الْقِرَاآتِ الثَّلَاثِ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَمَنْ قَرَأَ: (وَمِنْ عِنْدِهِ) عَلَى أَنَّهُ حَرْفُ جَرٍّ فَالْكِتَابُ فِي قِرَاءَتِهِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ عُلِمَ الْكِتَابُ، أَوْ عُلِّمَ الْكِتَابُ عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ، أَيْ: عُلِمَتْ مَعَانِيهُ وَكَوْنُهُ أَعْظَمَ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاقِي عَلَى مَرِّ الْأَعْصَارِ، فَتَشْرِيفُ الْعَبْدِ بِعُلُومِ الْقُرْآنِ إِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ إِحْسَانِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِ وَتَوْفِيقِهِ عَلَى كَوْنِهِ مُعْجِزًا، وَتَوْفِيقِهِ لِإِدْرَاكِ ذلك.