قَالَ كَعْبٌ: كانوا يرجونه لِلْمَمْلِكَةِ بَعْدَ مَلِكِهِمْ، لِأَنَّهُ كَانَ ذَا حَسَبٍ وَثَرْوَةٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَاضِلًا خَيِّرًا نُقَدِّمُكَ عَلَى جَمِيعِنَا.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إِلَى دِينِهِمْ، إِذْ كَانَ يُبْغِضُ أَصْنَامَهُمْ، وَيَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ، فَلَمَّا أَظْهَرَ إِنْذَارَهُمُ انْقَطَعَ رَجَاؤُهُمْ مِنْهُ.
وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ يَرْجُونَ خَيْرَهُ، فلما أنذرهم انقطع رجاؤه خَيْرَهُ.
وَبَسَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَا الْقَوْلَ فَقَالَ: (فِينَا) فِيمَا بَيْنَنَا مَرْجُوًّا كَانَتْ تَلُوحُ فيك مخايل الخير وأمارات الرُّشْدِ، فَكُنَّا نَرْجُوكَ لِنَنْتَفِعَ بِكَ، وَتَكُونَ مُشَاوَرًا فِي الْأُمُورِ مُسْتَرْشَدًا فِي التَّدَابِيرِ، فَلَمَّا نَطَقْتَ بِهَذَا الْقَوْلِ انْقَطَعَ رَجَاؤُنَا عَنْكَ، وَعَلِمْنَا أَنْ لَا خَيْرَ فِيكَ انْتَهَى.
وَقِيلَ: لَمَّا كَانَ قَوِيَّ الْخَاطِرِ، وَكَانَ مِنْ قَبِيلَتِهِمْ، قَوِيَ رَجَاؤُهُمْ فِي أَنْ يَنْصُرَ دِينَهُمْ وَيُقَوِّيَ مَذْهَبِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالظَّاهِرُ الَّذِي حَكَاهُ الْجُمْهُورُ أَنَّ قَوْلَهُ: (مَرْجُوًّا) مَشُورًا، نُؤَمِّلُ فِيكَ أَنْ تَكُونَ سَيِّدًا سَادًّا مَسَدَّ الْأَكَابِرِ، ثُمَّ قَرَّرُوهُ عَلَى التَّوْبِيخِ فِي زَعْمِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: (أَتَنْهَانَا) .
وَحَكَى النَّقَّاشُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَاهُ حَقِيرًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَفْظُ (مرجو) بِمَعْنَى حَقِيرٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَصْدَ بِقَوْلِهِمْ: (مَرْجُوًّا) بِقَوْلِ: لَقَدْ كُنْتَ فِينَا سَهْلًا مَرَامُكَ، قَرِيبًا رَدُّ أَمْرِكَ مِمَّنْ لَا يُظَنُّ أَنْ يُسْتَعْجَلَ مِنْ أَمْرِهِ مِثْلُ هَذَا. فَمَعْنَى (مَرْجُوًّا) أَيْ: مُؤَخَرًّا اطِّرَاحُهُ وَغَلَبَتُهُ. وَنَحْوَ هَذَا فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الِاحْتِقَارِ، وَلِذَلِكَ فُسِّرَ بِحَقِيرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُمْ: (أَتَنْهَانَا) عَلَى جِهَةِ التَّوَعُّدِ وَالِاسْتِبْشَاعِ لِهَذِهِ الْمَقَالَةِ منه انتهى.
و (ما يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ (وَإِنَّا وَإِنَّنَا) لُغَتَانِ لقريش.
وَ (مُرِيبٍ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ مُتَعَدِّ، أَرَابَهُ أَوْقَعَهُ فِي الرِّيبَةِ، وَهِيَ قَلَقُ النَّفْسِ وَانْتِفَاءُ الطُّمَأْنِينَةِ. أَوْ مِنْ لَازِمِ أَرَابَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ ذَا رِيبَةٍ، وَأُسْنِدَ ذَلِكَ إِلَى الشَّكِّ إِسْنَادًا مَجَازِيًّا، وَوُجُودُ مِثْلِ هَذَا الشَّكِّ كَوُجُودِ التَّصْمِيمِ عَلَى الْكُفْرِ.