فهرس الكتاب

الصفحة 3576 من 4059

{أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ(66)}

الْمُنَاسَبَةُ ظَاهِرَةٌ فِي هَذِهِ الْآيَةُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْعِزَّةَ لَهُ تَعَالَى وَهِيَ الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ، ذَكَرَ مَا يُنَاسِبُ الْقَهْرَ وَهُوَ كَوْنُ الْمَخْلُوقَاتِ مِلْكًا لَهُ تَعَالَى، وَمِنَ الْأَصْلِ فِيهَا أَنْ تَكُونَ لِلْعُقَلَاءِ، وَهُنَا هِيَ شَامِلَةٌ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ عَلَى حُكْمِ التَّغْلِيبِ، وَحَيْثُ جِيءَ بِـ (مَا) كَانَ تَغْلِيبًا لِلْكَثْرَةِ إِذْ أَكْثَرُ الْمَخْلُوقَاتِ لَا تَعْقِلُ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي الْعُقَلَاءَ الْمُمَيِّزِينَ وَهُمُ الملائكة والثقلان،

وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ لِيُؤْذِنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ إِذَا كَانُوا لَهُ فِي مِلْكِهِ فَهُمْ عَبِيدٌ كُلُّهُمْ، لَا يَصْلُحُ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِلرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا أَنْ يكون شريكا له فِيهَا، فَمَا دُونَهُمْ مِمَّا لَا يَعْقِلُ أَحَقُّ أَنْ لَا يَكُونَ نِدًّا وَشَرِيكًا.

وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَهُ رَبًّا مِنْ مَلَكٍ أَوْ إِنْسِيٍّ فَضْلًا عَنْ صَنَمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ مُبْطِلٌ تَابِعٌ لِمَا أَدَّى إِلَيْهِ التَّقْلِيدُ وَتَرْكُ النَّظَرِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ (مَا) نَافِيَةٌ، و (شركاء) مَفْعُولُ يَتَّبِعُ، وَمَفْعُولُ يَدْعُونَ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ الْمَعْنَى تَقْدِيرُهُ: آلِهَةً أَوْ شُرَكَاءَ أَيْ: أَنَّ الَّذِينَ جَعَلُوهُمْ آلِهَةً وَأَشْرَكُوهُمْ مَعَ اللَّهِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ لَيْسُوا شُرَكَاءَ حَقِيقَةً، إِذِ الشَّرِكَةُ فِي الْأُلُوهِيَّةِ مُسْتَحِيلَةٌ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَطْلَقُوا عَلَيْهِمُ اسْمَ الشُّرَكَاءِ. وَجَوَّزُوا أَنْ تَكُونَ (مَا) اسْتِفْهَامِيَّةً فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بيتبع، وَشُرَكَاءَ مَنْصُوبٌ بِيَدْعُونَ أَيْ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ عَلَى تَحْقِيرِ الْمُتَّبَعِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ يَدْعُو شَرِيكًا لِلَّهِ لَا يَتَّبِعُ شَيْئًا.

وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ تَكُونَ (مَا) مَوْصُولَةً عَطْفًا عَلَى (مَنْ) وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ: وَالَّذِي يَتَّبِعُهُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ أَيْ: وَلَهُ شُرَكَاؤُهُمْ.

وَأَجَازَ غَيْرُهُ أَنْ تَكُونَ (مَا) مَوْصُولَةً فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَالَّذِي يَتَّبِعُهُ الْمُشْرِكُونَ بَاطِلٌ.

وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ: (تَدْعُونَ) بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:

وَهِيَ قِرَاءَةٌ غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (تَدْعُونَ) بِالتَّاءِ

وَوَجْهُهُ أَنْ يُحْمَلَ وَمَا يَتَّبِعُ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ أَيْ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ تَدْعُونَهُمْ شُرَكَاءَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُطِيعُونَهُ، فَمَا لَكَمَ لَا تَفْعَلُونَ فِعْلِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) انْتَهَى.

وَ (إِنْ) نَافِيَةٌ أَيْ: مَا يَتَّبِعُونَ إِلَّا ظَنَّهُمْ أَنَّهُمْ شُرَكَاءُ.

و (يخرصون) يَقْدِرُونَ.

وَمَنْ قَرَأَ (تَدْعُونَ) بِالتَّاءِ كَانَ قَوْلُهُ: (إِنْ يَتَّبِعُونَ) الْتِفَاتًا، إِذْ هُوَ خُرُوجٌ مِنْ خِطَابٍ إِلَى غَيْبَةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت