قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ (يَهْدِ) يُبَيِّنُ وَهَذَا كَقَوْلِهِ (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ) أَيْ بَيَّنَّا لَهُمْ طَرِيقَ الْهُدَى، وَالْفَاعِلُ بِيَهْدِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعُودَ عَلَى اللَّهِ ويؤيد قراءة من قرأ (يَهْدِ) بِالنُّونِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ ضَمِيرًا عَائِدًا عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ السَّابِقِ أَيْ أَوَلَمْ يَهْدِ مَا جَرَى لِلْأُمَمِ السَّالِفَةِ أَهْلِ الْقُرَى وَغَيْرِهِمْ وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ يَكُونُ (أَنْ لَوْ نَشَاءُ) وَمَا بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِ المفعول بيهد. أي أولم يُبَيِّنِ اللَّهُ أَوْ مَا سَبَقَ مِنْ قِصَصِ الْقُرَى وَمَآلِ أَمْرِهِمْ لِلْوَارِثِينَ إِصَابَتَنَا إِيَّاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ لَوْ شِئْنَا ذلك أي علمهم بإصابتنا أَوْ قُدْرَتِنَا عَلَى إِصَابَتِنَا إِيَّاهُمْ، وَالْمَعْنَى إِنَّكُمْ مُذْنِبُونَ لَهُمْ وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا حَلَّ بِهِمْ أَفَمَا تَحْذَرُونَ أَنْ يَحِلَّ بِكُمْ مَا حَلَّ بِهِمْ فَذَلِكَ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ عَلَيْنَا لَوْ شِئْنَا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الفاعل بيهد قوله (أَنْ لَوْ نَشاءُ) فَيَنْسَبِكُ الْمَصْدَرُ مِنْ جَوَابِ لَوْ والتقدير أولم نُبَيِّنْ وَنُوَضِّحْ لِلْوَارِثِينَ مَآلَهُمْ وعاقبتهم إِصَابَتَنَا إِيَّاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ لَوْ شئنا ذلك أي علمهم بِإِصَابَتِنَا أَوْ قُدْرَتِنَا عَلَى إِصَابَتِنَا إِيَّاهُمْ.
وَمَفْعُولُ (نَشاءُ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوَابُ (لَوْ) وَالْجَوَابُ (أَصَبْناهُمْ)
وَلَمْ يَأْتِ بِاللَّامِ وإن كان الفعل مثتبا إِذْ حَذْفُهَا جَائِزٌ فَيَصِحُّ كَقَوْلِهِ (لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا) وَالْأَكْثَرُ الْإِتْيَانُ بِاللَّامِ كَقَوْلِهِ (لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا)
(وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها)
والذين يرثون الأرض يخلفون فِيهَا مِنْ بَعْدِ هَلَاكِ أَهْلِهَا، وَظَاهِرُهُ التَّسْمِيعُ لِمَنْ كَانَ فِي عَصْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُرِيدُ أَهْلَ مَكَّةَ.
(وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ)
الظَّاهِرُ أَنَّهَا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أَيْ وَنَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ أَوْضَحَ اللَّهُ لَهُ سُبُلَ الْهُدَى وَذَكَرَ لَهُ أَمْثَالًا مِمَّنْ أَهْلَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذُنُوبِهِمْ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ دَائِمٌ عَلَى غَيِّهِ لَا يَرْعَوِي يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ فَيَنْبُوَ سَمْعُهُ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ (أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) بِعِقَابِ ذُنُوبِهِمْ أَوْ يُضَمَّنُ أَصَبْناهُمْ مَعْنَى أَهْلَكْنَاهُمْ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْإِضْمَارِ أَوِ التَّضْمِينِ، وَنَفْيِ السَّمَاعِ.
وَالْمَعْنَى نَفْيُ الْقَبُولِ وَالِاتِّعَاظِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى وُجُودِ السَّمَاعِ جَعَلَ انْتِفَاءَ فَائِدَتِهِ انْتِفَاءً لَهُ.