فهرس الكتاب

الصفحة 3887 من 4059

{وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ(13)}

وَالظَّاهِرُ إِسْنَادُ التَّسْبِيحِ إِلَى الرَّعْدِ. فَإِنْ كَانَ مما يَصِحُّ مِنْهُ التَّسْبِيحُ فَهُوَ إِسْنَادٌ حَقِيقِيٌّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَصِحُّ مِنْهُ فَهُوَ إِسْنَادٌ مَجَازِيٌّ. وَتَنْكِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: (فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) يَنْفِي أَنْ يَكُونَ عَلَمًا لِمَلَكٍ.

وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْإِخْبَارُ بِالصَّوْتِ عَنِ التَّسْبِيحِ مَجَازٌ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: قَدْ غَمَّنِي كَلَامُكَ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيُسَبِّحُ سَامِعُو الرَّعْدِ مِنَ الْعِبَادِ الرَّاجِينَ لِلْمَطَرِ حَامِدِينَ لَهُ، أَيْ: يَضِجُّونَ بِسُبْحَانَ اللَّهِ والحمد لله.

وفي الْحَدِيثِ: «سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ»

وَعَنْ عَلِيٍّ: «سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحَتَ لَهُ إِذَا اشْتَدَّ الرَّعْدُ»

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ»

وَمِنْ بِدَعِ الْمُتَصَوِّفَةِ: الرَّعْدُ صَعَقَاتُ الْمَلَائِكَةِ، وَالْبَرْقُ زَفَرَاتُ أَفْئِدَتِهِمْ، وَالْمَطَرُ بُكَاؤُهُمْ انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقِيلَ فِي الرَّعْدِ أَنَّهُ رِيحٌ يَخْتَنِقُ بَيْنَ السَّحَابِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَهَذَا عِنْدِي لَا يَصِحُّ لِأَنَّ هَذَا نَزَغَاتُ الطَّبِيعِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْحُكَمَاءِ يَذْكُرُونَ أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ الْعُلْوِيَّةَ إِنَّمَا تَتِمُّ بِقُوًى رُوحَانِيَّةٍ فَلَكِيَّةٍ، وَلِلسَّحَابِ رُوحٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الْأَرْوَاحِ الْفَلَكِيَّةِ يُدَبِّرُهُ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الرِّيَاحِ، وَفِي سَائِرِ الْآثَارِ الْعُلْوِيَّةِ.

وَهَذَا عَيْنُ مَا قُلْنَاهُ أَنَّ الرَّعْدَ اسْمٌ لِمَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُسَبِّحُ اللَّهُ تَعَالَى، فَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ هُوَ عَيْنُ مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْحُكَمَاءِ، فَكَيْفَ بِالْعَاقِلِ الْإِنْكَارُ؟ انْتَهَى.

وَهَذَا الرَّجُلُ غَرَضُهُ جَرَيَانُ مَا تَنْتَحِلُهُ الْفَلَاسِفَةُ عَلَى مَنَاهِجِ الشَّرِيعَةِ، وَذَلِكَ لَا يكون أبدا، وقد تقدمت أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ فِي الرَّعْدِ فِي الْبَقَرَةِ، فَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَى أَنَّ الرَّعْدَ اسْمٌ لِمَلَكٍ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِمَلَكٍ، لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الملك يدبر لا السحاب وَلَا غَيْرِهِ، إِذْ لَا يُسْتَفَادُ مِثْلُ هَذَا إِلَّا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَشْهُودُ لَهُ بِالْعِصْمَةِ، لَا مِنَ الْفَلَاسِفَةِ الضُّلَّالِ.

وَالظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: (مِنْ خِيفَتِهِ) عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا عَادَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: (بِحَمْدِهِ) .

وَمَعْنَى خِيفَتِهِ: مِنْ هَيْبَتِهِ وَإِجْلَالِهِ.

وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الرَّعْدِ. وَالْمَلَائِكَةُ أَعْوَانُهُ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ فَهُمْ خَائِفُونَ خَاضِعُونَ طَائِعُونَ لَهُ.

وَالرَّعْدُ وَإِنْ كَانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ لَفْظِ الْمَلَائِكَةِ، فَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ انْتَهَى.

وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

وَمَفْعُولُ (يَشَاءُ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَنْ يَشَاءُ إِصَابَتَهُ.

وَفِي الْخَبَرِ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إِلَى جَبَّارٍ مِنَ الْعَرَبِ لِيُسْلِمَ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ إِلَهِ مُحَمَّدٍ؟ أَمِنْ لُؤْلُؤٍ هُوَ أَمْ مِنْ ذَهَبٍ؟ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ صَاعِقَةٌ وَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِيهِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَاظَرَ يَهُودِيٌّ الرسول صلى الله عليه وَسَلَّمَ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ نَزَلَتْ صَاعِقَةٌ فَأَخَذَتْ قَحْفَ رَأْسِهِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِيهِ.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَبَبُ نُزُولِهَا قِصَّةُ أَرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ وَعَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، وَذَكَرَ قِصَّتَهُمَا الْمَشْهُورَةَ مَضْمُونُهَا أَنَّ عَامِرًا تَوَعَّدَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَمْ يُجِبْهُ إِلَى مَا طَلَبَ، وَأَنَّهُ وَأَرْبَدَ رَامَا الْفَتْكَ بِهِ، فَعَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَصَابَ عَامِرًا بِغُدَّةٍ فَمَاتَ غَرِيبًا، وَأَرْبَدَ بِصَاعِقَةٍ فَقَتَلَتْهُ،

وَلِأَخِيهِ لَبِيدٍ فيه عدة مراث مِنْهَا قَوْلُهُ:

أَخْشَى عَلَى أَرْبَدَ الْحُتُوفَ وَلَا ... أَرْهَبُ نَوْءَ السِّمَاكِ وَالْأَسَدِ

فَجَعَنِي الْبَرْقُ وَالصَّوَاعِقُ بِالَفَا ... رِسِ يَوْمَ الْكَرِيهَةِ النَّجِدِ

وَهَذِهِ الصِّلَاتُ الْأَرْبَعُ الَّتِي وُصِلَتْ بِهَا الَّذِي تَدُلُّ عَلَى الْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ، وَالتَّصَرُّفِ التَّامِّ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، فَالْمُتَّصِفُ بِهَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُجَادِلَ فِيهِ، وَأَنْ يَعْتَقِدَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْعُلْوِيَّةِ.

وَالضَّمِيرُ فِي (وَهُمْ يُجَادِلُونَ) عَائِدٌ عَلَى الْكُفَّارِ الْمُكَذِّبِينَ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمُنْكِرِينَ الْآيَاتِ، يُجَادِلُونَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى الْبَعْثِ وَإِعَادَةِ الْخَلْقِ بقولهم: (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) وَفِي وَحْدَانِيَّتِهِ بِاتِّخَاذِ الشُّرَكَاءِ وَالْأَنْدَادِ.

وَنِسْبَةُ التَّوَالُدِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، وَمَعَ ذَلِكَ رَتَّبُوا عَلَيْهَا غَيْرَ مُقْتَضَاهَا مِنَ الْمُجَادَلَةِ فِيهِ وَفِي أَوْصَافِهِ تَعَالَى، وَكَانَ مُقْتَضَاهَا التَّسْلِيمَ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ.

وَقِيلَ: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ) حَالٌ مِنْ مَفْعُولِ (يَشَاءُ) أَيْ: فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ فِي حَالِ جِدَالِهِمْ كَمَا جَرَى لِلْيَهُودِيِّ. وَكَذَلِكَ الْجَبَّارُ، وَلِأَرْبَدَ.

(وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنَ الْجَلَالَةِ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: (الْمِحَالِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ. فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمِحَالُ الْعَدَاوَةُ، وَعَنْهُ الْحِقْدُ.

وَعَنْ عَلِيٍّ: الْأَخْذُ.

وَعَنْ مُجَاهِدٍ: الْقُوَّةُ.

وَعَنْ قُطْرُبٍ: الْغَضَبُ.

وَعَنِ الْحَسَنِ: الْهَلَاكُ بِالْمَحَلِّ، وَهُوَ الْقَحْطُ.

وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ وَالْأَعْرَجُ: (الْمَحَالِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ.

فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحَوْلُ.

وَعَنْ عُبَيْدَةَ: الْحِيلَةُ. يُقَالُ: الْمَحَالُ وَالْمَحَالَةُ وَهِيَ الْحِيلَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ فِي مَثَلٍ: الْمَرْءُ يَعْجِزُ لَا الْمَحَالَةُ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى شَدِيدَ الْعِقَابِ، وَيَكُونُ مَثَلًا فِي الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ، كَمَا جَاءَ: فَسَاعِدُ اللَّهِ أَشَدُّ، وَمُوسَاهُ أَحَدُّ، لِأَنَّ الْحَيَوَانَ إِذَا اشْتَدَّ غَايَةً كَانَ مَنْعُوتًا بِشِدَّةِ الْقُوَّةِ وَالِاضْطِلَاعِ بِمَا يَعْجِزُ عَنْهُ غَيْرُهُ.

أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِمْ: فَقَرَتْهُ الْفَوَاقِرُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَقَارَ عَمُودُ الظَّهْرِ وَقِوَامُهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت