فهرس الكتاب

الصفحة 3085 من 4059

{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138)}

لَمَّا بَيَّنَ أَنْوَاعَ نِعَمِهِ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِإِهْلَاكِ عَدُوِّهِمْ أَتْبَعَ بِالنِّعْمَةِ الْعُظْمَى مِنْ إِرَاءَتِهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ الْعَظِيمَةَ وَقَطْعِهِمُ الْبَحْرَ مَعَ السَّلَامَةِ وَالْبَحْرُ بَحْرُ الْقُلْزُمِ، وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ نِيلُ مِصْرَ.

وَمَعْنَى (جاوَزْنا) قَطَعْنَا بِهِمُ الْبَحْرَ يُقَالُ جَاوَزَ الْوَادِيَ إِذَا قَطَعَهُ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ بقال جَاوَزَ الْوَادِيَ إِذَا قَطَعَهُ، وَجَاوَزَ بِغَيْرِهِ الْبَحْرَ عَبَرَ بِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَجُزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْ أَجَزْنَاهُمُ الْبَحْرَ، وَفَاعَلَ بِمَعْنَى فَعَلَ الْمُجَرَّدِ يُقَالُ جَاوَزَ وَجَازَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ وَأَبُو رَجَاءٍ وَيَعْقُوبُ (وَجَوَّزْنَا) وَهُوَ مِمَّا جَاءَ فِيهِ فَعَّلَ بِمَعْنَى فَعَلَ المجرد نحو قدر وقدر وَلَيْسَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ

رُوِيَ أَنَّهُ عَبَرَ بِهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ بعد ما أَهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فَصَامُوا شُكْرًا لِلَّهِ وَأُعْطِيَ مُوسَى التَّوْرَاةَ يَوْمَ النَّحْرِ فَبَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَحَدَ عَشَرَ شهرا.

(فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ)

قَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو عَمْرٍو الْجَوْنِيُّ: هُمْ مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ كَانُوا يَسْكُنُونَ الرِّيفَ.

وَقِيلَ: كَانُوا نُزُولًا بِالرِّقَّةِ رِقَّةِ مِصْرَ وَهِيَ قَرْيَةٌ بِرِيفِ مِصْرَ تُعْرَفُ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ يُتَوَصَّلُ مِنْهَا إِلَى الْفَيُّومِ.

وَقِيلَ: هُمُ الْكَنْعَانِيُّونَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسَى بِقِتَالِهِمْ.

وَمَعْنَى (فَأَتَوْا) فَمَرُّوا يُقَالُ أَتَتْ عَلَيْهِ سُنُونَ، وَمَعْنَى (يَعْكُفُونَ) يُقِيمُونَ وَيُوَاظِبُونَ عَلَى عِبَادَةِ أَصْنَامٍ.

وَقَرَأَ الْأَخَوَانِ وَأَبُو عَمْرٍو في رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ بِكَسْرِ الْكَافِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّهَا وَهُمَا فَصِيحَتَانِ

وَالْأَصْنَامُ قِيلَ: بَقَرٌ حَقِيقَةً.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ كَانَتْ تَمَاثِيلَ بَقَرٍ مِنْ حِجَارَةٍ وَعِيدَانٍ وَنَحْوِهِ وَذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ فِتْنَةِ الْعِجْلِ.

(قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ)

الظَّاهِرُ أَنَّ طَلَبَ مِثْلِ هَذَا كُفْرٌ وَارْتِدَادٌ وَعِنَادٌ جَرَوْا فِي ذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي تَعَنُّتِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ وَطَلَبِهِمْ مَا لَا يَنْبَغِي وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِمْ (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ كُفْرٌ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا مَا رَأَوْا مِنْ آلِهَةِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ فَأَرَادُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي شَرْعِ مُوسَى، وَفِي جُمْلَةِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَّا فَبَعِيدٌ أَنْ يَقُولُوا لِمُوسَى (اجْعَلْ لَنا إِلهًا) نُفْرِدُهُ بِالْعِبَادَةِ انْتَهَى

وَفِي الْحَدِيثِ مَرُّوا فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ عَلَى رَوْحِ سِدْرَةٍ خَضْرَاءَ عَظِيمَةٍ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ وَكَانَتْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ سَرْحَةً لِبَعْضِ الْمُشْرِكِينَ يُعَلِّقُونَ بِهَا أسحلتهم وَلَهَا يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ إِلَيْهَا فَأَرَادَ قَائِلُ ذَلِكَ أَنْ يَشْرَعَ الرَّسُولُ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ وَرَأَى الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى عِبَادَةِ تِلْكَ السَّرْحَةِ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ «اللَّهُ أَكْبَرُ قُلْتُمْ وَاللَّهِ كَمَا قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ»

(اجْعَلْ لَنا إِلهًا) خَالِقًا مُدَبِّرًا لِأَنَّ الَّذِي يَجْعَلُهُ مُوسَى لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِقًا لِلْعَالَمِ وَمُدَبِّرًا فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُمْ طَلَبُوا أَنْ يُعَيِّنَ لَهُمْ تَمَاثِيلَ وَصُوَرًا يَتَقَرَّبُونَ بِعِبَادَتِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.

وَقَدْ حُكِيَ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ قَوْلُهُمْ (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى)

وَأَجْمَعَ كُلُّ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ عَلَى أَنَّ عِبَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ كُفْرٌ سَوَاءٌ اعْتُقِدَ كَوْنُهُ إِلَهًا لِلْعَالَمِ، أَوْ أَنَّ عِبَادَتَهُ تُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ انْتَهَى.

وَيَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ جَمِيعِهِمْ فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِمُ السَّبْعُونَ الْمُخْتَارُونَ وَمَنْ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ هَذَا السُّؤَالُ الْبَاطِلُ لَكِنَّهُ نُسِبَ ذَلِكَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا وَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ.

(قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)

تَعَجَّبَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ قَوْلِهِمْ عَلَى أَثَرِ مَا رَأَوْا مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ وَوَصَفَهُمْ بِالْجَهْلِ الْمُطْلَقِ وَأَكَّدَهُ بِإِنَّ لِأَنَّهُ لَا جَهْلَ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَلَا أَشْنَعُ، وَأَتَى بِلَفْظِ (تَجْهَلُونَ) وَلَمْ يَقُلْ جَهِلْتُمْ إِشْعَارًا بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ كَالطَّبْعِ وَالْغَرِيزَةِ لَا يَنْتَقِلُونَ عَنْهُ فِي مَاضٍ وَلَا مُسْتَقْبَلٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت