كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ سُؤَالُهُ به: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) فَلَا شَكَّ فِي إِمْكَانِيَّةِ ذَلِكَ، وَجَوَازِهِ: وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا وَبَشَّرَتْهُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ، فَمَا وَجْهُ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ؟.
وَأُجِيبَ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ سُؤَالٌ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ، وَالْمَعْنَى: أَيُولَدُ لِي عَلَى سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ وَكَوْنِ امْرَأَتِي عَاقِرًا؟ أَيْ بَلَغَتْ سَنَّ مَنْ لَا تَلِدُ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَامْرَأَتُهُ بَلَغَتْ ثَمَانِيًا وَتِسْعِينَ سَنَةً.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ يَوْمَ بُشِّرَ ابْنَ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً.
أَمْ أُعَادُ أَنَا وَامْرَأَتِي إِلَى سِنِّ الشَّبِيبَةِ وَهَيْئَةِ مَنْ يُولَدُ لَهُ؟ فَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُولَدُ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا بُشِّرَ بِالْوَلَدِ اسْتَعْلَمَ: أَيَكُونُ ذَلِكَ الْوَلَدُ مِنْ صُلْبِهِ نَفْسِهِ أَمْ من [تبنيه] ؟.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ نَسِيَ السُّؤَالَ، وَكَانَ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالتَّبْشِيرِ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَنُقِلَ عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا سِتُّونَ سَنَةً.
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْلَامَ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْظَامِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، يَحْدُثُ ذَلِكَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْآيَاتِ وَهُوَ يَرْجِعُ مَعْنَاهُ إِلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ، لِكَوْنِهِ كَالْمَدْهُوشِ عِنْدَ حُصُولِ مَا كان مستبعدا لَهُ عَادَةً.
الْخَامِسُ: إِنَّمَا سَأَلَ لِأَنَّهُ كَانَ عَاجِزًا عَنِ الْجِمَاعِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ: هَلْ يُقَوِّيهِ عَلَى الْجِمَاعِ وَامْرَأَتُهُ عَلَى الْقَبُولِ عَلَى حَالِ الْكِبَرِ؟
السَّادِسُ: سَأَلَ هَلْ يُرْزَقُ الْوَلَدُ مِنَ امْرَأَتِهِ الْعَاقِرِ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا.
السَّابِعُ: أَنَّهُ لَمَّا بُشِّرَ بِالْوَلَدِ أَتَاهُ الشَّيْطَانُ لِيُكَدِّرَ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَدْرِي مَنْ نَادَاكَ؟ قَالَ: مَلَائِكَةُ رَبِّي! قَالَ لَهُ: بَلْ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ لَأَخْفَاهُ لَكَ كَمَا أَخْفَيْتَ نِدَاءَكَ، فَخَالَطَتْ قَلْبَهُ وَسْوَسَةٌ، فَقَالَ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ لِيُبَيِّنَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْوَحْيِ.
قَالَ الْقَاضِي: لَوِ اشْتَبَهَ عَلَى الرُّسُلِ كَلَامُ الْمَلَكِ بِكَلَامِ الشَّيْطَانِ لَمْ يَبْقَ الْوُثُوقُ بِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ مَا قَالَهُ لَا يَلْزَمُ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَقُومَ الْمُعْجِزَةُ عَلَى الْوَحْيِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحَ الدُّنْيَا فَرُبَّمَا لَا يُؤَكَّدُ بِالْمُعْجِزَةِ، فَيَبْقَى الِاحْتِمَالُ، فَيَطْلُبُ زَوَالَهُ [1] .
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتِبْعَادٌ مِنْ حَيْثُ الْعَادَةُ. كَمَا قَالَتْ مَرْيَمُ. انْتَهَى.
وَعَلَى مَا قَالَهُ: لَوْ كَانَ اسْتِبْعَادًا لَمَا سَأَلَهُ بِقَوْلِهِ: (هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) لِأَنَّهُ لَا يَسْأَلُ إِلَّا مَا كَانَ مُمْكِنًا لَا سِيَّمَا الْأَنْبِيَاءُ، لِأَنَّ خَرْقَ الْعَادَةِ فِي حَقِّهِمْ كَثِيرُ الْوُقُوعِ.
(فائدة)
وَكَانَتِ الْجُمْلَةُ الْأُولَى فِعْلِيَّةً لِأَنَّ الْكِبَرَ يَتَجَدَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلَمْ يَكُنْ وَصْفًا لَازِمًا، وَكَانَتِ الثَّانِيَةُ اسْمِيَّةً وَالْخَبَرُ: عاقر، لأن كَوْنُهَا عَاقِرًا أَمْرٌ لَازِمٌ لَهَا لَمْ يَكُنْ وَصْفًا طَارِئًا عَلَيْهَا، فَنَاسَبَ لِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْأُولَى جُمْلَةً فِعْلِيَّةً.
وَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، وَمَعْنَى: بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ، أَثَّرَ فِيَّ: وَحَقِيقَةُ الْبُلُوغِ فِي الْأَجْرَامِ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْبَالِغُ إِلَى الْمَبْلُوغِ إِلَيْهِ.
وَأَسْنَدَ الْبُلُوغَ إِلَى الْكِبَرِ تَوَسُّعًا فِي الْكَلَامِ، كَأَنَّ الْكِبَرَ طَالِبٌ لَهُ، لِأَنَّ الْحَوَادِثَ طَارِئَةٌ عَلَى الْإِنْسَانِ، فَكَأَنَّهَا طَالِبَةٌ لَهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْمَقْلُوبِ، كَمَا جَاءَ: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا وَكَمَا قَالَ:
مِثْلَ الْقَنَافِذِ هَدَّاجُونَ قَدْ بَلَغَتْ ... نَجْرَانَ أَوْ بلغت سوآتهم هَجَرُ
وَقَالَ الرَّاغِبُ: إِذَا بَلَغْتَ الْكِبَرَ فَقَدْ بَلَغَكَ الْكِبَرُ. انْتَهَى.
وَهُنَا قَدَّمَ حَالَ نَفْسِهِ وَأَخَّرَ حَالَ امْرَأَتِهِ، وَفِي مَرْيَمَ عَكَسَ، فَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: لَا تُرَاعَى الْأَلْفَاظُ فِي الْحِكَايَةِ إِنَّمَا تُرَاعَى الْمَعَانِي الْمُدْرَجَةُ فِي الْأَلْفَاظِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: صَدْرُ الْآيَاتِ فِي مَرْيَمَ مُطَابِقٌ لِهَذَا التَّرْتِيبِ هُنَا، لِأَنَّهُ قَدَّمَ: أَنَّهُ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنْهُ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَقَالَ: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا) فَلَمَّا أَعَادَ ذِكْرَهَا فِي الِاسْتِعْلَامِ أَخَّرَ ذِكْرَ الكبر ليوافق (عتيا) رءوس الْآيِ، وَهُوَ بَابٌ مَقْصُودٌ فِي الْفَصَاحَةِ يَتَرَجَّحُ إِذَا لَمْ يُخِلَّ بِالْمَعْنَى، وَالْعَطْفُ هُنَا بِالْوَاوِ، فَلَيْسَ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ مُشْعِرًا بِتَقَدُّمِ زَمَانٍ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْمُنَاسِبِ فِي فَصَاحَةِ الْكَلَامِ.
(قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ)
الْكَافُ: لِلتَّشْبِيهِ، وَذَلِكَ: إِشَارَةٌ إِلَى الْفِعْلِ، أَيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَهُوَ تَكَوُّنُ الْوَلَدِ بَيْنَ الْفَانِي وَالْعَاقِرِ، يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْغَرِيبَةِ فَيَكُونُ إِخْبَارًا مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا مَشِيئَتُهُ فِعْلًا، مِثْلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، بَلْ سَبَبُ إِيجَادِهِ هُوَ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ: سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْجَارِيَةِ عَلَى الْعَادَةِ أَمْ مِنَ الَّتِي لَا تَجْرِي عَلَى الْعَادَةِ؟ وَإِذَا كَانَ تَعَالَى يُوجِدُ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْعَدَمِ الصِّرْفَ بِلَا مَادَّةٍ وَلَا سَبَبٍ، فَكَيْفَ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي لَهَا مَادَّةٌ وَسَبَبٌ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ؟
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ (كَذَلِكَ اللَّهُ) مُبْتَدَأً وَخَبَرًا، وَذَلِكَ عَلَى حَذْفٍ مُضَافٍ، أَيْ صُنْعُ اللَّهِ الْغَرِيبُ مِثْلُ ذَلِكَ الصُّنْعِ، وَيَكُونُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ شَرْحًا لِلْإِبْهَامِ الَّذِي فِي اسْمِ الْإِشَارَةِ، وَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَى نَحْوِ هَذِهِ الصفة:
الله، قال: يَفْعَلُ مَا يَشاءُ بَيَانٌ لَهُ، أَيْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَفَاعِيلِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَاتِ. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَيْ: كَهَذِهِ الْقُدْرَةِ الْمُسْتَغْرَبَةِ هِيَ قُدْرَةُ اللَّهِ. انْتَهَى.
[1] كلام مرغوب عنه، لا ينتهض لمعارضة ما ذكره الْقَاضِي، ولله دره. والله أعلم.