فهرس الكتاب

الصفحة 1644 من 4059

{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) }

وَعَبَّرَ بِالْكَلِمَةِ عَنِ الْكَلِمَاتِ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ قَدْ تُطْلِقُهَا الْعَرَبُ عَلَى الْكَلَامِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الزَّجَّاجُ، إِمَّا لِوَضْعِ الْمُفْرَدِ مَوْضِعَ الْجَمْعِ، كَمَا قَالَ:

بِهَا جِيَفُ الْحَسْرَى، فَأَمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيضٌ، وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ

وَإِمَّا لِكَوْنِ الْكَلِمَاتِ مُرْتَبِطَةً بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، فَصَارَتْ فِي قُوَّةِ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ إِذَا اخْتَلَّ جُزْءٌ مِنْهَا اخْتَلَّتِ الْكَلِمَةُ، لِأَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، هِيَ كَلِمَاتٌ لَا تَتِمُّ النِّسْبَةُ الْمَقْصُودَةُ فِيهَا مِنْ حَصْرِ الْإِلَهِيَّةِ فِي اللَّهِ إِلَّا بِمَجْمُوعِهَا.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: سَوَاءٍ، بِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ.

وَقَرَأَ الْحَسَنُ: سَوَاءً، بِالنَّصْبِ، وَخَرَّجَهُ الْحُوفِيُّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ.

وَالْمَعْنَى: إِلَى كَلِمَةٍ عَادِلَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ الْعَرَبُ: قَدْ دَعَاكَ فُلَانٌ إِلَى سَوَاءٍ فَاقْبَلْ مِنْهُ.

وَفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: إِلَى كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ كَلِمَةٍ مُسْتَوِيَةٍ، أَيْ مُسْتَقِيمَةٍ.

وَقِيلَ: إِلَى كَلِمَةِ قَصْدٍ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالَّذِي أَقُولُهُ فِي لَفْظَةِ: سَوَاءٍ، أَنَّهَا يَنْبَغِي أَنْ تُفَسَّرَ بِتَفْسِيرٍ خَاصٍّ بِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَهُوَ أَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى مَعَانٍ جَمِيعُ النَّاسِ فِيهَا مُسْتَوُونَ، صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ، وَقَدْ كَانَتْ سِيرَةُ الْمَدْعُوِّينَ أَنْ يَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَرْبَابًا، فَلَمْ يَكُونُوا عَلَى اسْتِوَاءِ حَالٍ، فَدَعَاهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى مَا يَأْلَفُ النُّفُوسُ مِنْ حَقٍّ لَا يَتَفَاضَلُ النَّاسُ فِيهِ، فَسَوَاءٌ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ لِآخَرَ: هَذَا شَرِيكِي فِي مَالٍ سَوَاءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا التَّفْسِيرِ وَبَيْنَ تَفْسِيرِ لَفْظَةِ: الْعَدْلِ، أَنَّكَ لَوْ دَعَوْتَ أَسِيرًا عِنْدَكَ إِلَى أَنْ يُسْلِمَ أَوْ تَضْرِبَ عُنُقَهُ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إِلَى السَّوَاءِ الَّذِي هُوَ الْعَدْلُ، عَلَى هَذَا الْحَدِّ جَاءَتْ لَفْظَةُ: سَوَاءٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ) عَلَى بعض التَّأْوِيلَاتِ، وَإِنْ دَعَوْتَ أَسِيرَكَ إِلَى أَنْ يُؤْمِنَ فَيَكُونَ حُرًّا مُقَاسِمًا لَكَ. فِي عَيْشِكِ لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إِلَى السَّوَاءِ الَّذِي هُوَ اسْتِوَاءُ الْحَالِ عَلَى مَا فَسَّرْتُهُ. وَاللَّفْظَةُ عَلَى كُلِّ تَأْوِيلٍ فِيهَا مَعْنَى الْعَدْلِ، وَلَكِنِّي لَمْ أَرَ لِمُتَقَدِّمٍ أَنْ يَكُونَ فِي اللَّفْظَةِ مَعْنَى قَصْدِ اسْتِوَاءِ الْحَالِ، وَهُوَ عِنْدِي حَسَنٌ، لِأَنَّ النُّفُوسَ تَأْلَفُهُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَهُوَ تَكْثِيرٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَالظَّاهِرُ انْتِصَابُ الظَّرْفِ بِسَوَاءٍ.

(وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)

وَفِي قَوْلِهِ: (بَعْضُنَا بَعْضًا) إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْبَعْضِيَّةَ تُنَافِي الْإِلَهِيَّةَ إِذْ هِيَ تماثل فِي الْبَشَرِيَّةِ، وَمَا كَانَ مِثْلَكَ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا، وَإِذَا كَانُوا قَدِ اسْتَبْعَدُوا اتِّبَاعَ مَنْ شَارَكَهُمْ فِي الْبَشَرِيَّةِ لِلِاخْتِصَاصِ بِالنُّبُوَّةِ فِي قَوْلِهِمْ: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا) فَادِّعَاءُ الْإِلَهِيَّةِ فِيهِمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا فِيهِ أَشَدَّ اسْتِبْعَادًا: وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ الدَّاخِلُ عَلَيْهَا أَدَاةُ النَّفْيِ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى، يُؤَكِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، إِذِ اخْتِصَاصُ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الِاشْتِرَاكِ وَنَفْيَ اتِّخَاذِ الْأَرْبَابِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَكِنْ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ تَأْكِيدٍ وَإِسْهَابٍ وَنَشْرِ كَلَامٍ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُبَالِغِينَ فِي التَّمَسُّكِ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَنَاسَبَ ذَلِكَ التَّوْكِيدَ فِي انْتِفَاءِ ذَلِكَ، وَالنَّصَارَى جَمَعُوا بَيْنَ الْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ: عَبَدُوا عِيسَى، وَأَشْرَكُوا بِقَوْلِهِمْ: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَاتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ أَرْبَابًا فِي الطَّاعَةِ لَهُمْ فِي تَحْلِيلٍ وَتَحْرِيمٍ وَفِي السُّجُودِ لَهُمْ.

قَالَ الطَّبَرِيُّ: فِي قَوْلِهِ: (أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) أَنْزَلُوهُمْ مَنْزِلَةَ رَبِّهِمْ فِي قَبُولِ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ لِمَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ، وَلَمْ يُحِلُّهُ.

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْسَانِ الْمُجَرَّدِ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، كَتَقْدِيرَاتٍ دُونَ مُسْتَنَدٍ، وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ قَبُولِ قَوْلِ الْإِمَامِ دُونَ إِبَانَةِ مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الرَّوَافِضُ. انْتَهَى.

وَفِيهِ بَعْضُ اخْتِصَارٍ.

(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)

أَيْ: فَإِنْ تَوَلَّوْا عَنِ الْكَلِمَةِ السَّوَاءِ فَأَشْهِدُوهُمْ أَنَّكُمْ مُنْقَادُونَ إِلَيْهَا، وَهَذَا مُبَالَغَةٌ فِي الْمُبَايَنَةِ لَهُمْ، أَيْ: إِذَا كُنْتُمْ مُتَوَلِّينَ عَنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، فَإِنَّا قَابِلُونَ لَهَا وَمُطِيعُونَ.

وَعَبَّرَ عَنِ الْعِلْمِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، إِذْ خَرَجَ ذَلِكَ مِنْ حَيِّزِ الْمَعْقُولِ إِلَى حَيِّزِ الْمَشْهُودِ، وَهُوَ الْمُحْضَرُ فِي الْحِسِّ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذَا أَمْرٌ بِإِعْلَامٍ بِمُخَالَفَتِهِمْ وَمُوَاجَهَتِهِمْ بِذَلِكَ، وَإِشْهَادِهِمْ عَلَى مَعْنَى التَّوْبِيخِ وَالتَّهْدِيدِ، أَيْ سَتَرَوْنَ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُتَوَلُّونَ عَاقِبَةَ تَوَلِّيكُمْ كَيْفَ يَكُونُ. انْتَهَى.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَيْ لَزِمَتْكُمُ الْحُجَّةُ، فَوَجَبَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَعْتَرِفُوا وَتُسَلِّمُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ دُونَكُمْ، كَمَا يَقُولُ الْغَالِبُ لِلْمَغْلُوبِ فِي جِدَالٍ أَوْ صِرَاعٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا: اعْتَرِفْ بِأَنِّي أَنَا الْغَالِبُ، وَسَلِّمْ لِي الْغَلَبَةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّعْرِيضِ، وَمَعْنَاهُ: اشْهَدُوا وَاعْتَرِفُوا بِأَنَّكُمْ كَافِرُونَ حَيْثُ تَوَلَّيْتُمْ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ. انتهى.

وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي وَجَّهَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِحْيَةَ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت