(قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)
قُلْ: خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقِيلَ: فَأْتُوا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هَذَا الْحَقُّ، لَا زَعْمُكُمْ مَعْشَرَ الْيَهُودِ. فَأْتُوا: وَهَذِهِ أَعْظَمُ مُحَاجَّةٍ أَنْ يُؤْمَرُوا بِإِحْضَارِ كِتَابِهِمُ الَّذِي فِيهِ شَرِيعَتُهُمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا ادَّعَوْهُ بَلْ هُوَ مُصَدِّقٌ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
مِنْ أَنَّ تِلْكَ الْمَطَاعِمَ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ مِنْ قَدِيمٍ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ هُوَ حَادِثٌ.
وَرُوِيَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَجَاسَرُوا عَلَى الْإِتْيَانِ بِالتَّوْرَاةِ لِظُهُورِ افْتِضَاحِهِمْ بِإِتْيَانِهَا، بَلْ بُهِتُوا وَذَلِكَ كَعَادَتِهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ.
وَفِي اسْتِدْعَاءِ التَّوْرَاةِ مِنْهُمْ وَتِلَاوَتِهَا الْحُجَّةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى صِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي لَمْ يَقْرَأِ الْكُتُبَ وَلَا عَرَفَ أَخْبَارَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، ثُمَّ أَخَذَ يُحَاجُّهُمْ ويَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ وَلَا يَجِدُونَ مِنْ إِنْكَارِهِ مَحِيصًا.
وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ فِي الشَّرَائِعِ، وَهُمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ.
وَخَرَجَ قَوْلِهِ: «إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» مُخْرَجَ الْمُمْكِنِ، وَهُمْ مَعْلُومٌ كَذِبُهُمْ. وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْهُزْءِ بِهِمْ كَقَوْلِكَ: إِنْ كُنْتَ شُجَاعًا فَالْقَنِي، وَمَعْلُومٌ، عِنْدَكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشُجَاعٍ، وَلَكِنْ هَزُأْتَ بِهِ إِذْ جَعَلْتَ هَذَا الْوَصْفَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُتَّصَفَ بِهِ.