فهرس الكتاب

الصفحة 1843 من 4059

{ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ...(154)}

وعليكم يَدُلُّ عَلَى تَجَلُّلِ النُّعَاسِ وَاسْتِعْلَائِهِ وَغَلَبَتِهِ، وَنِسْبَةُ الْإِنْزَالِ مَجَازٌ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ فِي الْأَجْرَامِ.

(وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ)

قَالَ مَكِّيٌّ: أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ هُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَقَالُوا: غَشِيَ النُّعَاسُ أَهْلَ الْإِيمَانِ وَالْإِخْلَاصِ، فَكَانَ سَبَبًا لِأَمْنِهِمْ وَثَبَاتِهِمْ.

وَعَرَّى مِنْهُ أَهْلَ النِّفَاقِ وَالشَّكِّ، فَكَانَ سَبَبًا لِجَزَعِهِمْ وَانْكِشَافِهِمْ عَنْ مَرَاتِبِهِمْ فِي مَصَافِّهِمْ انْتَهَى.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ: (قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) مَا بِهِمْ إِلَّا هَمُّ أَنْفُسِهِمْ، لَا هَمُّ الدِّينِ، وَلَا هَمُّ رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.

فَيَكُونُ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَهَمَّنِي الشَّيْءُ أَيْ: كَانَ مِنْ هَمِّي وَإِرَادَتِي.

وَالْمَعْنَى: أَهَمَّهُمْ خَلَاصُ أَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، أَيْ: كَانَ مِنْ هَمِّهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ خَلَاصُ أَنْفُسِهِمْ فَقَطْ، وَمِنْ غَيْرِ الْحَقِّ يَظُنُّونَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ بِحَقٍّ، وَأَنَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْهَبُ وَيَزُولُ.

وَمَعْنَى (ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ: الْمُدَّةُ الْجَاهِلِيَّةُ الْقَدِيمَةُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، كَمَا قَالَ: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ وَكَمَا تَقُولُ: شِعْرُ الْجَاهِلِيَّةِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْمَعْنَى ظَنُّ الْفِرْقَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ، وَنَحَا إِلَى هَذَا الْقَوْلِ: قَتَادَةُ وَالطَّبَرِيُّ.

قَالَ مُقَاتِلٌ: ظَنُّوا أَنَّ أَمْرَهُ مُضْمَحِلٌّ.

وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّ مُدَّتَهُ قَدِ انْقَضَتْ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ظَنُّوا أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ.

وَقِيلَ: ظَنُّ الْجَاهِلِيَّةِ إِبْطَالُ النُّبُوَّاتِ وَالشَّرَائِعِ.

وَقِيلَ: يَأْسُهُمْ مِنْ نَصْرِ اللَّهِ وَشَكُّهُمْ فِي سَابِقِ وَعْدِهِ بِالنُّصْرَةِ.

وَقِيلَ: يَظُنُّونَ أَنَّ الْحَقَّ مَا عَلَيْهِ الْكُفَّارُ، فَلِذَلِكَ نُصِرُوا.

وَقِيلَ: كَذَّبُوا بِالْقَدَرِ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَظَنُّ الْجَاهِلِيَّةِ كَقَوْلِكَ: حَاتِمُ الْجُودِ وَرَجُلُ صِدْقٍ، تُرِيدُ الظَّنَّ الْمُخْتَصَّ بِالْمِلَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ ظَنُّ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَيْ لَا يَظُنُّ مِثْلَ ذَلِكَ الظَّنِّ إِلَّا أَهْلُ الشِّرْكِ الْجَاهِلُونَ بِاللَّهِ. انْتَهَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت