فهرس الكتاب

الصفحة 2886 من 4059

{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) }

مناسبة هذه لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا يَسْتَنِدُ لِلْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ أَخْبَرَ أَنَّهُ حَرَّمَ عَلَى بَعْضِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ أَشْيَاءَ، كَمَا حَرَّمَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْمِلَّةِ أَشْيَاءَ مِمَّا ذَكَرَهَا فِي الْآيَةِ قَبْلُ فَالتَّحْرِيمُ إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأُمَمِ جَمِيعِهَا وَفِي قَوْلِهِ: (حَرَّمْنا) تَكْذِيبُ الْيَهُودِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَحَرِّمْ عَلَيْنَا شَيْئًا وَإِنَّمَا حَرَّمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا مَا حَرَّمَهُ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسَهُ.

[قيل] هِيَ ذَوَاتُ الظِّلْفِ كَالْإِبِلِ وَالنَّعَامِ وَمَا لَيْسَ بِذِي أَصَابِعَ مُنْفَرِجَةٍ كَالْبَطِّ وَالْإِوَزِّ وَنَحْوِهِمَا، وَاخْتَارَهُ الزَّجَّاجُ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْإِبِلُ خَاصَّةً وَضُعِّفَ هَذَا التَّخْصِيصُ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ النَّعَامَةُ وَحِمَارُ الْوَحْشِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِتَخْصِيصِهِ.

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وَذِي حَافِرٍ مِنَ الدَّوَابِّ وَذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ.

وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: الظُّفُرُ هُنَا بِمَنْزِلَةِ الْحَافِرِ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ذِي حَافِرٍ مِنَ الدَّوَابِّ سُمِّيَ الْحَافِرُ ظُفْرًا اسْتِعَارَةً.

وَقَالَ ثَعْلَبٌ: كُلُّ مَا لَا يَصِيدُ فَهُوَ ذُو ظُفْرٍ وَمَا يَصِيدُ فَهُوَ ذُو مِخْلَبٍ.

قَالَ النَّقَّاشُ: هَذَا غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِأَنَّ الْأَسَدَ ذُو ظُفْرٍ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَا لَهُ أُصْبُعٌ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ طَائِرٍ، وَكَانَ بَعْضُ ذَوَاتِ الظُّفْرِ حَلَالًا لَهُمْ فَلَمَّا ظَلَمُوا حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَعَمَّ التَّحْرِيمُ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ بِدَلِيلِ قَوْلُهُ: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) .

وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ وَلَيْسَ الْمُحَرَّمُ ذَا الظُّفْرِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَا صَادَهُ ذُو الظُّفْرِ أَيْ ذُو الْمِخْلَبِ الَّذِي لَمْ يُعَلَّمْ وَهَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ.

(وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما)

أَيْ شُحُومَ الْجِنْسَيْنِ.

وَاخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَبَائِحِ الْيَهُودِ، فَعَنْ مَالِكٍ مَنْعُ أَكْلِ الشَّحْمِ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ وَرُوِيَ عَنْهُ الْكَرَاهَةُ، وَأَبَاحَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ وَمِنْ ذَبْحِهِمْ مَا هُوَ عَلَيْهِمْ حَرَامٌ إِذَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ مُسْلِمٌ.

وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَا كَانَ مَعْلُومًا تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِمْ مِنْ كِتَابِنَا فَلَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، وَمَا لَمْ نَعْلَمْهُ إِلَّا مِنْ أَقْوَالِهِمْ فَهُوَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْنَا مِنْ ذَبَائِحِهِمْ انْتَهَى.

فَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ) أَنَّ الشَّحْمَ الَّذِي هُوَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ لَا يَحِلُّ لَنَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِهِمْ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ وَطَعامُ الَّذِينَ وَحَمْلُ قَوْلِهِ: (وَطَعامُ الَّذِينَ) عَلَى الذَّبَائِحِ فِيهِ بُعْدٌ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ.

(إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما)

أَيْ إِلَّا الشَّحْمَ الَّذِي حَمَلَتْهُ ظُهُورُهُمَا الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ مِمَّا عَلَقَ بِالظَّهْرِ مِنَ الشَّحْمِ وَبِالْجَنْبِ مِنْ دَاخِلِ بُطُونِهِمَا.

وَقِيلَ: سَمِينُ الظَّهْرِ وَهِيَ الشَّرَائِحُ الَّتِي عَلَى الظَّهْرِ مِنَ الشَّحْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ وَأَبُو صَالِحٍ: الْإِلْيَاتُ مِمَّا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا.

(أَوِ الْحَوايا) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى (ظُهُورُهُما) قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ أَيْ وَالشَّحْمُ الَّذِي حَمَلَتْهُ الْحَوايا.

[قيل] هِيَ الْمَبَاعِرُ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: هُوَ كُلُّ مَا تَحْوِيهِ الْبَطْنُ فَاجْتَمَعَ وَاسْتَدَارَ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ بَنَاتُ اللَّبَنِ.

وَقِيلَ: الْأَمْعَاءُ وَالْمَصَارِينُ الَّتِي عَلَيْهَا الشَّحْمُ.

(أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ)

هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى (مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما)

(بِعَظْمٍ) هُوَ شَحْمُ الْإِلْيَةِ لِأَنَّهُ عَلَى الْعُصْعُصِ، أَوْ شَحْمُ الْجَنْبِ أَوْ كُلُّ شَحْمٍ فِي الْقَوَائِمِ وَالْجَنْبِ وَالرَّأْسِ وَالْعَيْنَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ، أَوْ مُخُّ الْعَظْمِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ الشَّحْمِ فَهِيَ حَلَالٌ لَهُمْ.

قِيلَ: بِالْمُحَرَّمِ أَذَبَّ شَحْمُ الثَّرْبِ وَالْكُلَى.

وَقِيلَ: أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ شُحُومَهُما فَتَكُونُ دَاخِلَةً فِي الْمُحَرَّمِ أَيْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا وَتَكُونُ أَوْ كَهِيَ فِي قَوْلِهِ (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) يُرَادُ بِهَا نَفْيُ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِانْفِرَادِ، كَمَا تَقُولُ: هَؤُلَاءِ أَهْلٌ أَنْ يُعْصَوْا فَاعْصِ هَذَا أَوْ هَذَا، فَالْمَعْنَى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ هَذَا وَهَذَا.

وَالْأَحْسَنُ فِي الْآيَةِ إِذَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلَى شُحُومَهُمَا أَنْ تَكُونَ أَوِ فِيهِ لِلتَّفْصِيلِ فَصَلَ بِهَا ما حرم عليهم من الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ.

(ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ)

وَالْبَغْيُ هُنَا الظُّلْمُ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: الْكُفْرُ.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: هُوَ قَتْلُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَأَخْذُهُمُ الرِّبَا وَأَكْلُهُمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَنَظِيرُهُ (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا) وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ كَانَ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى ذُنُوبِهِمْ وَاسْتِعْصَائِهِمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ.

قَالَ الْقَاضِي: نَفْسُ التَّحْرِيمِ لَا يَكُونُ عُقُوبَةً عَلَى جُرْمٍ صَدَرَ مِنْهُمْ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ تَعْرِيضٌ لِلثَّوَابِ وَالتَّعْرِيضُ لِلثَّوَابِ إِحْسَانٌ.

وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الِانْتِفَاعِ يُمْكِنُ لِمَنْ يَرَى اسْتِحْقَاقَ الثَّوَابِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلْجُرْمِ الْمُتَقَدِّمِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ.

(وَإِنَّا لَصادِقُونَ)

فِي الْإِخْبَارِ عَمَّا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إِخْبَارٌ يَتَضَمَّنُ التَّعْرِيضَ بِكَذِبِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنَّمَا اقْتَدَيْنَا بِإِسْرَائِيلَ فِيمَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَتَضَمَّنُ إِدْحَاضَ قَوْلِهِمْ وَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ التِّبْرِيزِيُّ: وَإِنَّا لَصادِقُونَ فِي إِتْمَامِ جَزَائِهِمْ فِي الْآخِرَةِ الَّذِي سَبَقَ الْوَعِيدَ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مِنَ الْجَزَاءِ الْمُعَجَّلِ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ فِيمَا أَوْعَدْنَا بِهِ الْعُصَاةَ لَا نُخْلِفُهُ كَمَا لَا نُخْلِفُ مَا وَعَدْنَاهُ أَهْلَ الطَّاعَةِ، فَلَمَّا عَصَوْا وَبَغَوْا أَلْحَقْنَا بِهِمُ الْوَعِيدَ وَأَحْلَلْنَا بِهِمُ الْعِقَابَ انْتَهَى.

وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الِاعْتِزَالِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت