فهرس الكتاب

الصفحة 1718 من 4059

{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ(96)}

وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى كَوْنِهِ أول بيت وضع للناس.

فَقِيلَ: هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ ظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ حين خلقت السماوات وَالْأَرْضُ، خَلَقُهُ قَبْلَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ عَامٍ، وَكَانَ زُبْدَةً بَيْضَاءَ عَلَى الْمَاءِ فَدُحِيَتِ الْأَرْضُ تَحْتَهُ.

وَقِيلَ: هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ بَنَاهُ آدَمُ فِي الْأَرْضِ.

وَقِيلَ: لَمَّا أُهْبِطَ آدَمُ قَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: طُفْ حَوْلَ هَذَا الْبَيْتِ فَلَقَدْ طُفْنَا قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، وَكَانَ فِي مَوْضِعِهِ قَبْلَ آدَمَ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ: الضُّرَاحُ، فَرُفِعَ فِي الطُّوفَانِ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ يَطُوفُ بِهِ مَلَائِكَةُ السماوات.

وَذَكَرَ الشَّرِيفُ أَبُو الْبَرَكَاتِ أَسْعَدُ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْغَنَائِمِ الْحُسَيْنِيُّ الْجُوَانِيُّ النَّسَّابَةُ: أَنْ شِيثَ بْنَ آدَمَ هُوَ الَّذِي بَنَى الْكَعْبَةَ بِالطِّينِ وَالْحِجَارَةِ عَلَى مَوْضِعِ الْخَيْمَةِ الَّتِي كَانَ اللَّهُ وَضَعَهَا لِآدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ، فَعَلَى هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ يَكُونُ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ عَلَى ظَاهِرِهِ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ حُجَّ بَعْدَ الطُّوفَانِ، فَتَكُونُ الْأَوَّلِيَّةُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْوَصْفِ مِنَ الْحَجِّ إِذْ كَانَ قَبْلَهُ بُيُوتٌ،

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ: أَهُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا قَدْ كَانَ قَبْلَهُ بُيُوتٌ، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ مُبَارَكًا فِيهِ الْهُدَى وَالرَّحْمَةُ وَالْبَرَكَةُ

فَأَخَذَ الْأَوَّلِيَّةَ بِقَيْدِ هَذِهِ الْحَالِ.

وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ جُرْهُمٍ، ثُمَّ هُدِمَ فَبَنَتْهُ الْعَمَالِقَةُ، ثُمَّ هُدِمَ فَبَنَتْهُ قُرَيْشٌ.

وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ؟ قَالَ:

«الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ» قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى»

قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً»

وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ مِنْ وَضْعِ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ مُعَارِضٌ لِمَا ذُكِرَ فِي الْأَقْوَالِ السَّابِقَةِ: إِلَّا إِنْ حُمِلَ الْوَضْعُ عَلَى التَّجْدِيدِ فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.

وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ يُضَعِّفُ قَوْلَ الزَّجَّاجِ: إِنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ هُوَ مِنْ بِنَاءِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، بَلْ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ مِنْ وَضْعِ إِبْرَاهِيمَ، فَكَمَا وَضَعَ الْكَعْبَةَ وَضَعَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ.

وَقَدْ بَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ بَيْنَ الْوَضْعَيْنِ أَرْبَعِينَ سَنَةً»

وَأَيْنَ زَمَانُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ زَمَانِ سُلَيْمَانَ! وَمَعْنَى وُضِعَ لِلنَّاسِ: أَيْ مُتَعَبَّدًا يَسْتَوِي فِي التَّعَبُّدِ فِيهِ النَّاسُ، إِذْ غَيْرُهُ مِنَ الْبُيُوتِ يُخْتَصُّ بِأَصْحَابِهَا، وَالْمُشْتَرَكُ فِيهِ النَّاسُ هُوَ مَحَلُّ طَاعَتِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ وَقِبْلَتِهِمْ.

(مُبارَكًا وَهُدًى لِلْعالَمِينَ)

أَمَّا بَرَكَتُهُ فَلِمَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الثَّوَابِ وَتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ لِمَنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ وَطَافَ بِهِ وَعَكَفَ عِنْدَهُ.

وَقَالَ الْقَفَّالُ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَرَكَتُهُ مَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ:

«يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ» .

وَقِيلَ: بَرَكَتُهُ دَوَامُ الْعِبَادَةِ فِيهِ وَلُزُومُهَا، لِأَنَّ الْبَرَكَةَ لَهَا مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: النُّمُوُّ، وَالْآخَرُ: الثُّبُوتُ، وَمِنْهُ الْبَرَكَةُ لِثُبُوتِ الْمَاءِ فِيهَا. وَالْبَرْكُ الصَّدْرُ لِثُبُوتِ الْحِفْظِ فِيهِ، وَالْبَرَاكَاءُ الثُّبُوتُ فِي الْقِتَالِ، وَتَبَارَكَ اللَّهُ ثَبَتَ وَلَمْ يَزَلْ.

وَقِيلَ: بَرَكَتُهُ تَضْعِيفُ الثَّوَابِ فِيهِ.

وَقَالَ الْفَرَّاءُ: سُمِّيَ مُبَارَكًا لِأَنَّهُ مَغْفِرَةٌ لِلذُّنُوبِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بَرَكَتُهُ تَطْهِيرُهُ مِنَ الذُّنُوبِ.

وَقِيلَ: بَرَكَتُهُ أَنَّ مَنْ دَخَلَهُ أَمِنَ حَتَّى الْوَحْشَ، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الظَّبْيُ وَالْكَلْبُ.

وَأَمَّا كَوْنُهُ هُدًى فَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُقَوِّمًا مُصْلِحًا كَانَ فِيهِ إِرْشَادٌ. وَبُولِغَ بِكَوْنِهِ هُدًى، أَوْ هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: وَذَا هُدًى.

قِيلَ: وَمَعْنَى هُدًى أَيْ قِبْلَةً.

وَقِيلَ: رَحْمَةٌ.

وَقِيلَ: صَلَاحٌ.

وَقِيلَ: بَيَانٌ وَدَلَالَةٌ عَلَى اللَّهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ تَعَالَى.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ هُنَا هُدًى أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، أي من حيث دعى الْعَالَمُونَ إِلَيْهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت