فهرس الكتاب

الصفحة 1495 من 4059

{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ(13)}

وَلَمْ يُلْحِقِ التَّاءَ: كَانَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أُسْنِدَ إِلَى مُؤَنَّثٍ، وَهُوَ الْآيَةُ، لِأَجْلٍ أَنَّهُ تَأْنِيثٌ مَجَازِيٌّ. وَازْدَادَ حُسْنًا بِالْفَصْلِ، وَإِذَا كَانَ الْفَصْلُ مُحَسَّنًا فِي الْمُؤَنَّثِ الْحَقِيقِيِّ، فَهُوَ أَوْلَى فِي الْمُؤَنَّثِ الْمَجَازِيِّ، وَمِنْ كَلَامِهِمْ: حَضَرَ الْقَاضِي امْرَأَةً.

وَقَالَ:

إِنَّ امْرَأً غَرَّهُ مِنْكُنَّ وَاحِدَةٌ ... بَعْدِي وَبَعْدَكِ فِي الدُّنْيَا لَمَغْرُورُ

وَقِيلَ: ذُكِرَ لِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ الْبَيَانُ، فَهُوَ كَمَا قَالَ:

بَرَهْرَهَةٌ رودة رَخْصَةٌ ... كَخُرْعُوبَةِ الْبَانَةِ الْمُنْفَطِرْ

ذَهَبَ إِلَى الْقَضِيبِ.

وَفِي قَوْلِهِ (فِي فِئَتَيْنِ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فِي: قِصَّةِ فِئَتَيْنِ، وَمَعْنَى: الْتَقَتَا، أَيْ لِلْحَرْبِ وَالْقِتَالِ.

(فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ)

أَيْ: فِئَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفِئَةٌ أُخْرَى تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ، فَحَذَفَ مِنَ الْأُولَى ما أثبتت مُقَابِلَهُ فِي الثَّانِيَةِ، وَمِنَ الثَّانِيَةِ مَا أَثْبَتَ نَظِيرَهُ فِي الْأُولَى، فَذَكَرَ فِي الْأُولَى لَازِمَ الْإِيمَانِ، وَهُوَ الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

وَذَكَرَ فِي الثَّانِيَةِ مَلْزُومَ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ الْكُفْرُ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: تُقَاتِلُ، بِالتَّاءِ عَلَى تَأْنِيثِ الْفِئَةِ.

وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ، وَمُقَاتِلٌ: يُقَاتِلُ بِالْيَاءِ عَلَى التَّذْكِيرِ، قَالُوا: لِأَنَّ مَعْنَى الْفِئَةِ الْقَوْمُ فَرُدَّ إِلَيْهِ، وَجَرَى عَلَى لَفْظِهِ.

(يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ)

قَرَأَ نَافِعٌ، وَيَعْقُوبُ، وَسَهْلٌ، تَرَوْنَهُمْ، بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَطَلْحَةُ: تُرَوْنَهُمْ بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ الْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ، فَأَمَّا مَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ فَهُوَ جَارٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْخِطَابِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي: لَكُمْ، لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ فِي: تَرَوْنَهُمْ، لِلْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا.

وَضَمِيرُ النَّصْبِ فِي: تَرَوْنَهُمْ، وَضَمِيرُ الْجَرِّ فِي: مِثْلَيْهِمْ، عَائِدٌ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَالتَّقْدِيرُ: تَرَوْنَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ مِثْلَيْ أَنْفُسِهِمْ فِي الْعَدَدِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الْآيَةِ، أَنَّهُمْ رَأَوُا الْكُفَّارَ فِي مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ، وَمَعَ ذَلِكَ نَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَأَوْقَعَ الْمُسْلِمُونُ بِهِمْ. وَهَذِهِ حَقِيقَةُ التَّأْيِيدِ بِالنَّصْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاسْتُبْعِدَ هَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا هَذِهِ الْآيَةَ، وَآيَةَ الْأَنْفَالِ، قِصَّةً وَاحِدَةً، وَهُنَاكَ نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى قَلَّلَ الْمُشْرِكِينَ فِي أَعْيُنِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يُجَامِعُ هَذَا التَّكْثِيرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ.

وَيُحْتَمَلُ عَلَى مَنْ قَرَأَ بِتَاءِ الْخِطَابِ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي: تَرَوْنَهُمْ لِلْكَافِرِينَ وَالْمَجْرُورُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

وَالتَّقْدِيرُ: تَرَوْنَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ مِثْلَيِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاسْتُبْعِدَ هَذَا إِذْ كَانَ التَّرْكِيبُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ: تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْكُمْ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنَ الِالْتِفَاتِ مِنْ ضَمِيرِ الْخِطَابِ إِلَى ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) .

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي: مِثْلَيْهِمْ، عَلَى الْفِئَةِ الْمُقَاتِلَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَيْ: تَرَوْنَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْفِئَةَ الْكَافِرَةَ مِثْلَيِ الْفِئَةِ الْمُقَاتِلَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ.

وَالْمَعْنَى: تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْكُمْ، وَهَذَا تَقْلِيلٌ، إذ كَانُوا نَيِّفًا عَلَى أَلْفٍ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي تَقْدِيرِ ثُلُثٍ. مِنْهُمْ، فَأَرَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ الْكَافِرِينَ فِي ضِعْفَيِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا قُرِّرَ فِي قَوْلِهِ: (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) لتجترؤا عَلَيْهِمْ.

وَإِذَنْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي: لَكُمْ، لِلْكَافِرِينَ وَفِي: تَرَوْنَهُمْ، الْخِطَابُ لَهُمْ، وَالْمَنْصُوبُ وَالْمَجْرُورُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَالتَّقْدِيرُ: تَرَوْنَ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَيْ أَنْفُسِهِمْ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ عَائِدًا عَلَى الْفِئَةِ الْكَافِرَةِ، أَيْ: مِثْلَيِ الْفِئَةِ الْكَافِرَةِ وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ، فيكون الله تعالى قد أَرَى الْمُشْرِكِينَ الْمُؤْمِنِينَ أَضْعَافَ أَنْفُسِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ أَضْعَافَ الْكَافِرِينَ عَلَى قِلَّةِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَهَابُوهُمْ وَيَجْبُنُوا عَنْهُمْ، وَكَانَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ مَدَدًا مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَمَا أَمَدَّهُمْ تَعَالَى بِالْمَلَائِكَةِ، فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ، وَآيَةُ الْأَنْفَالِ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا التَّكْثِيرِ وَذَاكَ التَّقْلِيلِ بِاعْتِبَارِ حَالَيْنِ، قُلِّلُوا أَوَّلًا فِي أَعْيُنِ الْكُفَّارِ حَتَّى يجترؤا عَلَى مُلَاقَاةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكُثِّرُوا حَالَةَ الْمُلَاقَاةِ حَتَّى قَهَرُوا وَغَلَبُوا، كَقَوْلِهِ: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ)

وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الجملة صفة لقوله: (وأخرى كافرة) ، وَضَمِيرُ الرَّفْعِ عَائِدٌ عَلَيْهَا عَلَى الْمَعْنَى، إِذْ لَوْ عَادَ عَلَى اللَّفْظِ لَكَانَ: تَرَاهُمْ، وَضَمِيرُ النَّصْبِ عَائِدٌ عَلَى: فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَضَمِيرُ الْجَرِّ فِي: مِثْلَيْهِمْ، عَائِدٌ عَلَى فِئَةٍ أَيْضًا، وَذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الْفِئَةِ، إِذْ لَوْ عَادَ عَلَى اللَّفْظِ لَكَانَ التَّرْكِيبُ: تَرَاهَا مِثْلَيْهَا، أَيْ تَرَى الْفِئَةُ الْكَافِرَةُ الْفِئَةَ الْمُؤْمِنَةَ فِي مِثْلَيْ عَدَدِ نَفْسِهَا. أَيْ:

سِتِّمِائَةٍ وَنَيِّفٍ وَعِشْرِينَ، أَوْ مِثْلَيْ أَنْفُسِ الْفِئَةِ الْكَافِرَةِ، أَيْ أَلْفَيْنِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ أَلْفَيْنِ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ عَائِدًا عَلَى الْفِئَةِ الْمُؤْمِنَةِ عَلَى الْمَعْنَى، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ وَالْمَجْرُورُ عَائِدًا عَلَى الْفِئَةِ الْكَافِرَةِ عَلَى الْمَعْنَى، أَيْ: تَرَى الْفِئَةُ الْمُؤْمِنَةُ الْفِئَةَ الْكَافِرَةَ مِثْلَيْ نَفْسِهَا.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ عَلَى الْفِئَةِ الْكَافِرَةِ، أَيْ: مِثْلَيِ الْفِئَةِ الْكَافِرَةِ.

وَالْجُمْلَةُ إِذْ ذَاكَ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الرَّابِطُ الْوَاوَ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ الرَّابِطُ ضَمِيرُ النَّصْبِ. وَإِذَا كَانَ الضَّمِيرُ فِي: لَكُمْ، لِلْيَهُودِ فَالْآيَةُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَهُ لَهُمُ احْتِجَاجًا عَلَيْهِمْ، وَتَثْبِيتًا لِصُورَةِ الْوَعْدِ السَّابِقِ مِنْ أَنَّ الْكُفَّارَ: سَيُغْلَبُونَ.

فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ كَانَ مَعْنَاهُ: لَوْ حَضَرْتُمْ، أَوْ: إِنْ كُنْتُمْ حَضَرْتُمْ، وَسَاغَ هَذَا الْخِطَابُ لِوُضُوحِ الْأَمْرِ فِي نَفْسِهِ، وَوُقُوعِ الْيَقِينِ بِهِ، لِكُلِّ إِنْسَانٍ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَضَمِيرُ الْفَاعِلِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْفِئَةِ الْمُؤْمِنَةِ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْفِئَةِ الْكَافِرَةِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ قَبْلُ.

وَالرُّؤْيَةُ فِي هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ بَصَرِيَّةٌ تَتَعَدَّى لِوَاحِدٍ.

وَانْتَصَبَ: مِثْلَيْهِمْ، عَلَى الْحَالِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت