فهرس الكتاب

الصفحة 3469 من 4059

{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) }

وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا تَقَدَّمَتْ أَسْمَاؤُهُمْ، وَمَعْنَى خُلِّفُوا عَنِ الْغَزْوِ غَزْوِ تَبُوكَ قَالَهُ: قَتَادَةُ. أَوْ خُلِّفُوا عَنْ أَبِي لُبَابَةَ وَأَصْحَابِهِ، حَيْثُ تِيبَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ وَأَصْحَابِهِ إرجاء أَمْرِهِمْ خَمْسِينَ يَوْمًا ثُمَّ قَبِلَ تَوْبَتَهُمْ.

وَقَدْ رَدَّ تَأْوِيلَ قَتَادَةَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ بِنَفْسِهِ فَقَالَ: مَعْنَى خُلِّفُوا تُرِكُوا عَنْ قَبُولِ الْعُذْرِ، وَلَيْسَ بِتَخَلُّفِنَا عَنِ الْغَزْوِ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: (خُلِّفُوا) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

وَقَرَأَ أَبُو مَالِكٍ كَذَلِكَ وَخَفَّفَ اللَّامَ.

وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ بْنُ هَارُونَ الْمَخْزُومِيُّ، وَذِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وَعَمْرُو بْنُ عبيد، ومعاذ القاري، وَحُمَيْدٌ: بِتَخْفِيفِ اللَّامِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ.

وَرُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَيْ: خَلَفُوا الْغَازِينَ بِالْمَدِينَةِ، أَوْ فَسَدُوا مِنَ الْخَالِفَةِ.

وَقَرَأَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ كَذَلِكَ مُشَدَّدَ اللَّامِ.

وَقَرَأَ أَبُو زَيْدٍ، وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَابْنُ يَعْمَرَ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَابْنَاهُ زَيْدٌ، وَمُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ، وَابْنُهُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: (خَالَفُوا) بِأَلِفٍ أَيْ: لَمْ يُوَافِقُوا عَلَى الْغَزْوِ.

وَقَالَ الْبَاقِرُ: وَلَوْ خُلِّفُوا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ.

وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الْمُخَلَّفِينَ) وَلَعَلَّهُ قَرَأَ كَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ، لِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ مُخَالِفَةٌ لِسَوَادِ الْمُصْحَفِ.

(حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ)

تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ فِي قِصَّةِ حُنَيْنٍ.

(وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ)

اسْتِعَارَةٌ، لِأَنَّ الْهَمَّ وَالْغَمَّ مَلَأَهَا بِحَيْثُ لَا يَسَعُهَا أُنْسٌ وَلَا سُرُورٌ، وَخَرَجَتْ عَنْ فَرْطِ الْوَحْشَةِ وَالْغَمِّ.

(وَظَنُّوا) أَيْ: عَلِمُوا. قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وَقَالَ ابْنُ عطية: أَيْقَنُوا، كَمَا قَالُوا فِي قول الشاعر:

فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مدحج ... سَرَاتُهُمُ فِي الْفَارِسِيِّ الْمُسَرَّدِ

وَقَالَ قَوْمٌ: الظَّنُّ هُنَا عَلَى بَابِهِ مِنْ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْجَائِزَيْنِ، لِأَنَّهُ وَقَفَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْوَحْيِ وَلَمْ يَكُونُوا قَاطِعِينَ بِأَنَّهُ يَنْزِلُ فِي شَأْنِهِمْ قُرْآنٌ، أَوْ كَانُوا قَاطِعِينَ لَكِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ تَطْوِيلَ الْمُدَّةِ فِي بَقَائِهِمْ فِي الشِّدَّةِ، فَالظَّنُّ عَادَ إِلَى تَجْوِيزِ تِلْكَ الْمُدَّةِ قَصِيرَةً.

وَجَاءَتْ هَذِهِ الْجُمَلُ فِي كَنَفِ إِذَا فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالتَّرْتِيبِ، فَذَكَرَ أَوَّلًا ضِيقَ الْأَرْضِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اسْتِيحَاشِهِمْ، وَنَبْوَةِ النَّاسِ عَنْ كَلَامِهِمْ.

وَثَانِيًا (وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ) وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَوَاتُرِ الْهَمِّ وَالْغَمِّ عَلَى قُلُوبِهِمْ، حَتَّى لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الِانْشِرَاحِ وَالِاتِّسَاعِ، فَذَكَرَ أَوَّلًا ضِيقَ الْمَحَلِّ، ثُمَّ ثَانِيًا ضِيقَ الْحَالِ فِيهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَضِيقُ الْمَحَلُّ وَتَكُونُ النَّفْسُ مُنْشَرِحَةً سَمُّ الْخِيَاطِ مَعَ الْمَحْبُوبِ مَيْدَانُ.

ثُمَّ ثَالِثًا لَمَّا يئسوا من الخلق عذقوا أُمُورَهُمْ بِاللَّهِ وَانْقَطَعُوا إِلَيْهِ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَا يُخَلِّصُ مِنَ الشِّدَّةِ وَلَا يُفَرِّجُهَا إِلَّا هُوَ تَعَالَى (ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ) وإذا إِنْ كَانَتْ شَرْطِيَّةً فَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تَابَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) نَظِيرَ قَوْلِهِ: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) بَعْدَ قَوْلِهِ (لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ) الْآيَة.

وَدَعْوَى أَنَّ (ثُمَّ) زَائِدَةٌ وَجَوَابَ (إِذَا) مَا بَعْدَ ثُمَّ بَعِيدٌ جِدًّا، وَغَيْرُ ثَابِتٌ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ زِيَادَةُ (ثُمَّ) .

وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ (إِذَا) بَعْدَ (حَتَّى) قَدْ تُجَرِّدُ مِنَ الشَّرْطِ وَتَبْقَى لِمُجَرَّدِ الْوَقْتِ فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ بَلْ تَكُونُ غَايَةً لِلْفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: (خُلِّفُوا) أَيْ: خُلِّفُوا إِلَى هَذَا الْوَقْتِ.

(ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا)

ثُمَّ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالْقَبُولِ وَالرَّحْمَةِ كَرَّةً أُخْرَى لِيَسْتَقِيمُوا عَلَى تَوْبَتِهِمْ وَيُنِيبُوا، أَوْ لِيَتُوبُوا أَيْضًا فِيمَا يُسْتَقْبَلُ إِنْ فَرَطَتْ مِنْهُمْ خَطِيئَةٌ عِلْمًا مِنْهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ عَلَى مَنْ تَابَ، وَلَوْ عَادَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ.

وَقِيلَ: مَعْنَى لِيَتُوبُوا لِيَدُومُوا عَلَى التَّوْبَةِ وَلَا يُرَاجِعُوا مَا يُبْطِلُهَا.

وَقِيلَ: لِيَتُوبُوا، لِيَرْجِعُوا إِلَى حَالِهِمْ وَعَادَتِهِمْ مِنَ الِاخْتِلَاطِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَتَسْتَكِنُّ نُفُوسُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) لَمَّا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ فِي تَعْدِيدِ نِعَمِهِ بَدَأَ فِي تَرْتِيبِهِ بِالْجِهَةِ الَّتِي هِيَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى لِيَكُونَ ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلَى تَلَقِّي النِّعْمَةِ مِنْ عِنْدِهِ لَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَلَوْ كَانَ الْقَوْلُ فِي تَعْدِيدِ ذَنْبٍ لَكَانَ الِابْتِدَاءُ بِالْجِهَةِ الَّتِي هِيَ عَنِ الْمُذْنِبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) لِيَكُونَ هَذَا أَشَدَّ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مِنْ فَصَاحَةِ الْقُرْآنِ وَبَدِيعِ نَظْمِهِ وَمُعْجِزِ اتِّسَاقِهِ.

وَبَيَانُ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَوَاقِعِ أَلْفَاظِهَا أَنَّهَا تكمل مع مُطَالَعَةِ حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، وَقَدْ خَرَّجَ حَدِيثَهُمْ بِكَمَالِهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهُوَ فِي السِّيَرِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُ سَوْقَهُ.

وَإِنَّمَا عَظُمَ ذَنْبُهُمْ وَاسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرْعَ يُطَالِبُهُمْ مِنَ الْحَدِّ فِيهِ بِحَسَبِ مَنَازِلِهِمْ مِنْهُ وَتَقَدُّمِهِمْ فِيهِ، إِذْ هُوَ أُسْوَةٌ وَحُجَّةٌ لِلْمُنَافِقِينَ وَالطَّاعِنِينَ، إِذْ كَانَ كَعْبٌ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ، وَصَاحِبَاهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَفِي هَذَا مَا يَقْتَضِي أَنَّ الرَّجُلَ الْعَالِمَ وَالْمُقْتَدَى بِهِ أَقَلُّ عُذْرًا فِي السُّقُوطِ مِنْ سِوَاهُ.

وَكَتَبَ الْأَوْزَاعِيُّ إِلَى الْمَنْصُورِ أَبِي جَعْفَرٍ فِي آخِرِ رِسَالَةٍ: وَاعْلَمْ أَنَّ قَرَابَتَكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنْ تَزِيدَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْكَ إِلَّا عِظَمًا، وَلَا طَاعَتَهُ إِلَّا وُجُوبًا، وَلَا النَّاسَ فِيمَا خَالَفَ ذَلِكَ مِنْكَ إِلَّا إِنْكَارًا وَالسَّلَامُ.

وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَاضِي التَّنُوخِيُّ فِي قَوْلِهِ:

وَالْعَيْبُ يَعْلَقُ بالكبير كبير. انتهى.

وَرُوِيَ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْهُمْ مَنْ بَدَا لَهُ فَيَلْحَقُ بِهِمْ كَأَبِي خَيْثَمَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَقِيَ لَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ مِنْهُمُ الثَّلَاثَةُ.

وَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ فَقَالَ: أَنْ تَضِيقَ عَلَى التَّائِبِ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَتَضِيقُ عَلَيْهِ نَفْسُهُ كَتَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت