الِاسْتِدْرَاكُ بـ (لكن) يَقْتَضِي تَقَدُّمَ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، لِأَنَّ لَكِنْ لَا يُبْتَدَأُ بِهَا، فَالتَّقْدِيرُ مَا رُوِيَ فِي سَبَبِ النُّزُولِ وَهُوَ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قَالُوا:
مَا نَشْهَدُ لَكَ بِهَذَا، لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ، وَشَهَادَتُهُ تَعَالَى بِمَا أَنْزَلَهُ إِلَيْهِ إِثْبَاتُهُ بِإِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ كَمَا تَثْبُتُ الدَّعَاوَى بِالْبَيِّنَاتِ.
(أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)
قَالَ الزَّجَّاجُ: أَنْزَلَهُ وَفِيهِ عِلْمُهُ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: أَنْزَلَهُ مِنْ عِلْمِهِ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَنْزَلَهُ إِلَيْكَ بِعِلْمٍ مِنْهُ أَنَّكَ خِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ.
وَقِيلَ: أَنْزَلَهُ إِلَيْكَ بِعِلْمِهِ أَنَّكَ أهلٌ لإنزاله عَلَيْكَ لِقِيَامِكَ بِحَقِّهِ، وَعِلْمِكَ بِمَا فِيهِ، وَحُسْنِ دُعَائِكَ إِلَيْهِ، وَحَثِّكَ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ.
وَقِيلَ: بِعِلْمِهِ أَنَّكَ تُبَلِّغُهُ إِلَى عِبَادِهِ مِنْ غَيْرِ تَبْدِيلٍ وَلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَقْوَى مُتَعَلّقَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، خِلَاِفًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: عَالِمٌ بِلَا عِلْمٍ.
وَالْمَعْنَى عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنْزَلَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ إِنْزَالَهُ وَنُزُولَهُ.
وَمَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهُ أَنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ، أَيْ فِيهِ عِلْمُهُ مِنْ غُيُوبٍ وَأَوَامِرَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَالْعِلْمُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ كَمَا هُوَ فِي قَوْلِ الْخَضِرِ، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَمَا يُنْقِصُ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَنْزَلَهُ مُلْتَبِسًا بِعِلْمِهِ الْخَاصِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ تَأْلِيفُهُ عَلَى نَظْمٍ وَأُسْلُوبٍ يَعْجِزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ وَصَاحِبُ بَيَانٍ، وَمَوْقِعُهُ مِمَّا قَبْلَهُ
مَوْقِعُ الْجُمْلَةِ الْمُفَسِّرَةِ، لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِلشَّهَادَةِ بِصِحَّتِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَهُ بِالنَّظْمِ الْمُعْجِزِ الْفَائِتِ لِلْقَدْرِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَنْزَلَهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ حَافِظٌ لَهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ بِرَصَدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
(وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا)
أَيْ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُ (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ) .