و (من حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ) أَيْ: مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ.
رُوِيَ أَنَّهُمْ لَمَّا وَدَّعُوا أَبَاهُمْ قَالَ لَهُمْ: بَلِّغُوا مَلِكَ مِصْرَ سَلَامِي وَقُولُوا لَهُ: إِنَّ أَبَانَا يُصَلِّي عَلَيْكَ، وَيَدْعُو لَكَ، وَيَشْكُرُ صَنِيعَكَ مَعَنَا.
وَفِي كِتَابِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَهْرَانِيِّ: أَنَّهُ خَاطَبَهُ بكتاب قرئ عَلَى يُوسُفَ فَبَكَى.
وَجَوَابُ لَمَّا قَوْلُهُ: (مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ (لَمَّا) حَرَّفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ، لَا ظَرْفُ زَمَانٍ بِمَعْنَى حِينَ، إِذْ لَوْ كَانَتْ ظَرْفَ زَمَانٍ مَا جَازَ أَنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِمَا بَعْدَ مَا النَّافِيَةِ. لَا يَجُوزُ حِينَ قَامَ زَيْدٌ مَا قَامَ عَمْرٌو، وَيَجُوزُ لَمَّا قَامَ زَيْدٌ مَا قَامَ عَمْرٌو، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ (لَمَّا) حَرْفٌ يَتَرَتَّبُ جَوَابُهُ عَلَى مَا بَعْدَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابَ (لَمَّا) مَحْذُوفًا مُقَدَّرًا، ثُمَّ يُخْبِرُ عَنْ دُخُولِهِمْ أَنَّهُ مَا كَانَ يُغْنِي.
وَمَعْنَى الْجُمْلَةِ: لَمْ يَكُنْ فِي دُخُولِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ دَفْعُ قَدَرِ اللَّهُ الَّذِي قَضَاهُ عَلَيْهِمْ مِنْ تَشْرِيفِهِمْ وَافْتِضَاحِهِمْ بِذَلِكَ، وَأَخْذِ أَخِيهِمْ بِوِجْدَانِ الصَّاعِ فِي رَحْلِهِ، وَتَزَايُدِ مُصِيبَتِهِ عَلَى أَبِيهِمْ، بَلْ كَانَ إِرْبًا لِيَعْقُوبَ قَضَاهُ وَتَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ.
وَقِيلَ: مَعْنَى مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، مَا يَرُدُّ عَنْهُمْ قَدَرًا لِأَنَّهُ لَوْ قَضَى أَنْ يُصِيبَهُمْ عَيْنٌ لَأَصَابَتُهُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَوْ مُجْتَمِعِينَ، وَإِنَّمَا طَمِعَ يَعْقُوبُ أَنْ تُصَادِفَ وَصِيَّتُهُ قَدَرَ السَّلَامَةِ، فَوَصَّى وَقَضَى بِذَلِكَ حَاجَةَ نَفْسِهِ فِي أَنْ بَقِيَ يَتَنَعَّمُ بِرَجَائِهِ أَنْ يُصَادِفَ وَصِيَّتَهُ الْقَدَرُ فِي سَلَامَتِهِمْ.
(وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ) يَعْنِي لِقَوْلِهِ: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) وَمَا بَعْدَهُ وَعِلْمُهُ بِأَنَّ الْقَدَرَ لَا يَدْفَعُهُ الْحَذَرُ.
وَهَذَا ثَنَاءٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: لَعَامِلٌ بِمَا عَلِمْنَاهُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: مَنْ لَا يَعْمَلُ لَا يَكُونُ عَالِمًا، وَلَفْظَةُ (ذُو عِلْمٍ) لَا تُسَاعِدُهُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ.
وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: (مما علمناه) .