{وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) }
وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: (مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) .
قَالَ الْحَسَنُ وَالْجُبَّائِيُّ: أَرَادَ جَمِيعَهُمْ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى اتِّبَاعِ قَبْلَتِكَ، عَلَى نَحْوِ: (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) وَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ إِخْبَارًا عَنِ الْمَجْمُوعِ، مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، لَا حُكْمَ عَلَى الْأَفْرَادِ.
وَقَالَ الْأَصَمُّ: بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَا يُؤْمِنُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ قَوْلِ الْأَصَمِّ: أَنَّهُ أُرِيدَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ الْخُصُوصُ، فَكَأَنَّهُ قال: كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ أُولَئِكَ الْمُخْتَصِّينَ بِالْعِنَادِ، الْمُسْتَمِرِّينَ عَلَى جُحُودِ الْحَقِّ، لَا يُؤْمِنُ وَلَا يَتَّبِعُ قِبْلَتَكَ.
وَقَدِ احْتَجَّ أَبُو مُسْلِمٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ، عَلَى أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ وَفِيمَا يَفْعَلُونَهُ، لَيْسَ بِحُجَّةٍ لَهُمْ فِيمَا يَرْتَكِبُونَ، وَأَنَّهُمْ مُسْتَطِيعُونَ لِأَنْ يَفْعَلُوا الْخَيْرَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ، وَيَتْرُكُوا ضِدَّهُ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ.
قِيلَ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَتَّبِعُونَ قِبْلَتَهُ، فَلَوِ اتَّبَعُوا قِبْلَتَهُ، لَزِمَ انْقِلَابُ خَبَرِ اللَّهِ الصِّدْقِ كَذِبًا، وَعِلْمِهِ جَهْلًا، وَهُوَ مُحَالٌ، وَمَا اسْتَلْزَمَ الْمُحَالُ فَهُوَ مُحَالٌ.
وَأَضَافَ تَعَالَى الْقِبْلَةَ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ الْمُتَعَبِّدُ بِهَا وَالْمُقْتَدَى بِهِ فِي التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا. أَيْأَسَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ اتِّبَاعِهِمْ قِبْلَتَهُ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا اتِّبَاعَهُ عَنْ دَلِيلٍ لَهُمْ وَضَحَ، وَلَا عَنْ شُبْهَةٍ عَرَضَتْ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْعِنَادِ، وَمَنْ نَازَعَ عِنَادًا فَلَا يُرْجَى مِنْهُ انْتِزَاعٌ.
(وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ)
هَذِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ.
قِيلَ: وَمَعْنَاهَا النَّهْيُ، أَيْ لَا تَتَّبِعْ قِبْلَتَهُمْ، وَمَعْنَاهَا: الدَّوَامُ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَعْصُومٌ عَنِ اتِّبَاعِ قِبْلَتِهِمْ بَعْدَ وُرُودِ الْأَمْرِ.
وَقِيلَ: هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مَعْنَى الْخَبَرِ، وَهُوَ أَنَّهُ بَيَّنَ بِهَذَا الْإِخْبَارِ أَنَّ هَذِهِ الْقِبْلَةَ لَا تَصِيرُ مَنْسُوخَةً، فَجَاءَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ رَفَعًا لِتَجْوِيزِ النَّسْخِ، أَوْ قَطَعَ بِذَلِكَ رَجَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، عُدْ إِلَى قِبْلَتِنَا، وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَتَّبِعُكَ، مُخَادِعَةً مِنْهُمْ، فَأَيْأَسَهُمُ اللَّهُ مِنَ اتِّبَاعِهِ قِبْلَتَهُمْ، أَوْ بَيَّنَ بِذَلِكَ حُصُولَ عِصْمَتِهِ، أَوْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَذُّرِ لِاخْتِلَافِ قِبْلَتَيْهِمْ، أَوْ جَاءَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ، أَيْ مَا هُمْ بِتَارِكِي بَاطِلِهِمْ، وَمَا أَنْتَ بِتَارِكٌ حَقَّكَ. وَأَفْرَدَ الْقِبْلَةَ فِي قَوْلِهِ: (قِبْلَتَهُمْ) وَإِنْ كَانَتْ مُثَنَّاةً، إِذْ لِلْيَهُودِ قِبْلَةٌ، وَلِلنَّصَارَى قِبْلَةٌ مُغَايِرَةٌ لِتِلْكَ الْقِبْلَةِ، لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَتَا فِي كَوْنِهِمَا بَاطِلَتَيْنِ، فَصَارَ الِاثْنَانِ وَاحِدًا مِنْ جِهَةِ الْبُطْلَانِ، وَحَسَّنَ ذَلِكَ الْمُقَابَلَةَ فِي اللَّفْظِ، لِأَنَّ قَبْلَهُ (مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) .
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَبْلَغُ فِي النَّفْيِ مِنْ حَيْثُ كَانَتِ اسْمِيَّةً تَكَرَّرَ فِيهَا الِاسْمُ مَرَّتَيْنِ، وَمِنْ حَيْثُ أَكَّدَ النَّفْيَ بِالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: (بِتابِعٍ) وَهِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْكَلَامِ قَبْلَهَا، لَا عَلَى الْجَوَابِ وَحْدَهُ، إِذْ لَا يَحِلُّ مَحَلَّهُ، لِأَنَّ نَفْيَ تَبَعِيَّتِهِمْ لِقِبْلَتِهِ مُقَيَّدٌ بِشَرْطٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا فِي نَفْيِ تَبَعِيَّتِهِ قِبْلَتِهِمْ.
(وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ)
الضَّمِيرُ فِي بَعْضُهُمْ عَائِدٌ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْيَهُودَ لَا يَتَّبِعُونَ قِبْلَةَ النَّصَارَى، وَلَا النَّصَارَى تَتَّبِعُ قِبْلَةَ الْيَهُودِ، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْيَهُودَ لَا تَتَنَصَّرُ، وَإِلَى أَنَّ النَّصَارَى لَا تَتَهَوَّدُ، وَذَلِكَ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ إِفْرَاطِ الْعَدَاوَةِ وَالتَّبَاغُضِ.
وَقَدْ رَأَيْنَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى كَثِيرًا مَا يَدْخُلُونَ فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشَاهَدْ يَهُودِيًّا تَنَصَّرَ، وَلَا نَصْرَانِيًّا تَهَوَّدَ.
(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ)
اللَّامُ أَيْضًا مُؤْذِنَةٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَلِذَلِكَ جَاءَ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ: (إِنَّكَ) وَتَعْلِيقُ وُقُوعِ الشَّيْءِ عَلَى شَرْطٍ لَا يَقْتَضِي إِمْكَانَ ذَلِكَ الشَّرْطِ.
يَقُولُ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ صَعِدْتِ إِلَى السَّمَاءِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَمَعْلُومٌ امْتِنَاعُ صُعُودِهَا إِلَى السَّمَاءِ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ: أَنَّهُمْ: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) .
قَالَ: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) ، وَإِذَا اتَّضَحَ ذَلِكَ سَهُلَ مَا وَرَدَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ. وَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِحَالَةُ، لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ مُسْتَحِيلٌ.
وَيَصِيرُ مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ، الَّتِي ظَاهِرُهَا الْوُقُوعُ عَلَى تَقْدِيرِ امْتِنَاعِ الْوُقُوعِ، وَيَصِيرُ الْمَعْنَى: لَا يُعَدُّ ظَالِمًا، وَلَا تَكُونَهُ، لِأَنَّكَ لَا تَتَّبِعُ أَهْوَاءَهُمْ، وَكَذَلِكَ لَا يَحْبَطُ عَمَلُكَ، لِأَنَّ إِشْرَاكَكَ مُمْتَنِعٌ، وَكَذَلِكَ لَا يُجْزَى أَحَدٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جَهَنَّمَ، لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَنَّهُ إِلَهٌ. وَقَالُوا: مَا خُوطِبَ بِهِ مَنْ هُوَ مَعْصُومٌ مِمَّا لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ مِنْهُ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إِرَادَةِ أُمَّتِهِ، وَمَنْ يُمْكِنُ وُقُوعُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا جَاءَ الْخِطَابُ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِذَلِكَ الْأَمْرِ، وَالتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ، حَتَّى يَحْصُلَ التَّبَاعُدُ مِنْهُ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ:
إِيَّاكَ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ) بَعْدَ الْإِفْصَاحِ عَنْ حَقِيقَةِ حَالِهِ الْمَعْلُومَةِ عِنْدَهُ فِي قَوْلِهِ: (وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) كَلَامٌ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ، وَالتَّقْدِيرِ بِمَعْنَى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَهُمْ مَثَلًا بَعْدَ وُضُوحِ الْبُرْهَانِ وَالْإِحَاطَةِ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ، إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الْمُرْتَكِبِينَ الظُّلْمَ الْفَاحِشَ.
وَفِي ذَلِكَ لُطْفٌ لِلسَّامِعِينَ، وَزِيَادَةُ تَحْذِيرٍ وَاسْتِفْظَاعٌ بِحَالِ مَنْ يَتْرُكُ الدَّلِيلَ بَعْدَ إِنَارَتِهِ وَيَتَّبِعُ الْهَوَى، وَإِلْهَابٌ لِلثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ: اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْخِطَابِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ لِلرَّسُولِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ لِلرَّسُولِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ لِغَيْرِ الرَّسُولِ، لِأَنَّهُ عَلِمَ تَعَالَى أَنَّ الرَّسُولَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّهُ بِهَذَا الْخِطَابِ.
(مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)
أَيْ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْآيَاتِ الَّتِي تُفِيدُ لَكَ الْعِلْمَ وَتُحَصِّلُهُ، فَأَطْلَقَ اسْمَ الْأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ. سَمَّى تِلْكَ الدَّلَائِلَ عِلْمًا، مُبَالِغَةً وَتَعْظِيمًا وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَخْلُوقَاتِ شَرَفًا وَمَرْتَبَةً. وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ تَوَجُّهَ الْوَعِيدِ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَشَدُّ مِنْ تَوَجُّهِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ.
وَقَدْ فُسِّرَ الْعِلْمُ هُنَا بِالْحَقِّ، يَعْنِي أَنَّ مَا جَاءَهُ مِنْ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ هُوَ الْحَقُّ.