فهرس الكتاب

الصفحة 3231 من 4059

{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(16)}

لَمَّا نَهَى تَعَالَى عَنْ تَوَلِّي الْأَدْبَارِ تَوَعَّدَ مَنْ وَلَّى دُبُرَهُ وَقْتَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَنَاسَبَ قَوْلَهُ (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ) (فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ) كَأَنَّ الْمَعْنَى فَقَدْ وَلَّى مَصْحُوبًا بِغَضَبِ اللَّهِ، وَعَدَلَ أَيْضًا عَنْ ذِكْرِ الظَّهْرِ إِلَى الدُّبُرِ مُبَالَغَةً فِي التَّقْبِيحِ وَالذَّمِّ إِذْ تِلْكَ الْحَالَةُ مِنَ الصِّفَاتِ الْقَبِيحَةِ الْمَذْمُومَةِ جِدًّا أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ الشَّاعِرِ:

فَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تَجْرِي كُلُومُنَا ... وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدِّمَا

قَالَ فِي التَّحْرِيرِ: وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ عِلْمِ الْبَيَانِ يُسَمَّى بِالتَّعْرِيضِ عَرَّضَ بِسُوءِ حَالِهِمْ وَقُبْحِ فِعَالِهِمْ وَخَسَاسَةِ مَنْزِلَتِهِمْ، وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ الْإِيمَاءَ، وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ الْكِنَايَةَ.

وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّ الْكِنَايَةَ أَنْ تُصَرِّحَ بِاللَّفْظِ الْجَمِيلِ عَلَى الْمَعْنَى الْقَبِيحِ انْتَهَى.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْمَحْذُوفَةَ بَعْدَ (إِذْ) وَعُوِّضَ مِنْهَا التَّنْوِينُ هِيَ قَوْلُهُ (إِذْ لَقِيتُمُ الْكُفَّارَ) فقِيلَ الْمُرَادِ يَوْمَ بَدْرٍ وَمَا وَلِيَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَعَ الْوَعِيدُ بِالْغَضَبِ عَلَى مَنْ فَرَّ وَنُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمُ الْآيَةِ بِآيَةِ الضَّعْفِ وَبَقِيَ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ لَيْسَ كَبِيرَةً وَقَدْ فَرَّ النَّاسُ يَوْمَ أُحُدٍ فَعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَالَ اللَّهُ فِيهِمْ (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) وَلَمْ يَقَعْ عَلَى ذَلِكَ تَعْنِيفٌ انْتَهَى.

وَهَذَا الْقَوْلُ بأن الْإِشَارَةَ بِقَوْلِهِ (يَوْمَئِذٍ) إِلَى يَوْمِ بَدْرٍ لَا يَظْهَرُ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ وَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ فَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ فَيَوْمُ بَدْرٍ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ لِقَاءِ الْكُفَّارِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ وَلَا يَكُونُ خَاصًّا بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بَعْدَهُ فَلَا يَدْخُلُ يَوْمُ بَدْرٍ فِيهِ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ اسْتِئْنَافُ حُكْمٍ فِي الِاسْتِقْبَالِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى يَوْمِ اللِّقَاءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (إِذا لَقِيتُمُ) وَحُكْمُ الْآيَةِ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِسَبَبِ الضَّعْفِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ نَسْخٌ، وَأَمَّا يَوْمُ أُحُدٍ فَإِنَّمَا فَرَّ النَّاسُ مِنْ مَرَاكِزِهِمْ مِنْ ضَعْفِهِمْ وَمَعَ ذَلِكَ عُنِّفُوا لِكَوْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ وَفِرَارُهُمْ عَنْهُ، وَأَمَّا يَوْمُ حُنَيْنَ فَكَذَلِكَ مَنْ فَرَّ إِنَّمَا انْكَشَفَ أَمَامَ الْكَرَّةِ.

وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عَفْوَ اللَّهِ عَنْ مَنْ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ عَفْوًا عَنْ كَثْرَةٍ انْتَهَى.

وَالتَّحَرُّفُ لِلْقِتَالِ هُوَ الْكَرُّ بَعْدَ الْفَرِّ يُخَيِّلُ عَدُوَّهُ أَنَّهُ مُنْهَزِمٌ ثُمَّ يَنْعَطِفُ عَلَيْهِ وَهُوَ عَيْنُ بَابِ خِدَعِ الْحَرْبِ وَمَكَائِدِهَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وَقَالَ يُرَادُ بِهِ الَّذِي يَرَى أَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ أَنَكَى لِلْعَدُوِّ وَأَعْوَدُ عَلَيْهِ بِالشَّرِّ.

وَالْفِئَةُ هُنَا قَالَ الْجُمْهُورُ هِيَ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ الْحَاضِرَةُ لِلْحَرْبِ فَاقْتَضَى هَذَا الْإِطْرَاقُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْفِئَةُ مِنَ الْكُفَّارِ أَيْ لِكَوْنِهِ يَرَى أَنَّهُ يُنْكِي فِيهَا الْعَدُوَّ وَيُبْلِي أَكْثَرَ مِنْ إِبْلَائِهِ فِيمَا قَابَلَهُ مِنَ الْكُفَّارِ إِمَّا لِعَدَمِ مُقَاوَمَتِهِ، أَوْ لِكَوْنِ غَيْرِهِ يُعْنَى فِيمَنْ قاتله منهم فيتحيّز إِلَى فِئَةٍ أُخْرَى مِنَ الْكُفَّارِ لِيُبْلِيَ فِيهَا وَاقْتَضَى أَيْضًا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْفِئَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَيْ تَحَيَّزَ إِلَيْهَا لِيَنْصُرَهَا وَيُقَوِّيَهَا إِذَا رَأَى فِيهَا ضَعْفًا وَأَغْنَى غَيْرَهُ فِي قِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ مِنَ الْكُفَّارِ

وَبِهَذَا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَالَ إِلى فِئَةٍ جَمَاعَةٍ أُخْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِوَى الْفِئَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا.

وَقِيلَ الْفِئَةُ هُنَا الْمَدِينَةُ وَالْإِمَامُ وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ أَيْنَمَا كَانُوا.

وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ: انْهَزَمَ رَجُلٌ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ فَأَتَى الْمَدِينَةَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَكْتُ فَرَرْتُ مِنَ الزَّحْفِ، فَقَالَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا فِئَتُكَ.

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ وَأَنَا فِيهِمْ فَفَرُّوا فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ اسْتَحْيَوْا فَدَخَلُوا الْبُيُوتَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْفَرَّارُونَ. فَقَالَ: بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ.

قَالَ ثَعْلَبٌ الْعَكَّارُونَ الْعَطَّافُونَ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُوَلِّي عَنِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ رَاجِعًا عَكَّرَ وَاعْتَكَرَ.

وَعَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ

وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم اتَّقُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ وَعَدَّ فِيهَا الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ.

وَفِي التَّحْرِيرِ التَّوَلِّي الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ هُوَ الْفِرَارُ مَعَ الْمُصَابَرَةِ عَلَى الثَّبَاتِ، فَأَمَّا إِذَا جَاءَهُ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الثَّبَاتَ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْفِرَارِ انْتَهَى.

وَمَا أَحْسَنَ مَا اسْ

تَعْذَرَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ إِذْ فَرَّ فَقِيلَ فِيهِ:

تَرَكَ الْأَحِبَّةَ أَنْ يُقَاتِلَ دُونَهُمْ ... وَنَجَا بِرَأْسِ طمِرَّةٍ وَلِجَامِ

وَقَالَ الْحَارِثُ مِنْ أَبْيَاتٍ:

وَعَلِمْتُ أَنِّيَ إِنْ أُقَاتِلْ وَاحِدًا ... أُقْتَلْ وَلَمْ يَضْرُرْ عَدُوِّيَ مَشْهَدِي

وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ عَلَى وَعِيدِ الْفُسَّاقِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَنِ انْهَزَمَ إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ اسْتَوْجَبَ غَضَبَ اللَّهِ (وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ) قَالَ: وَلَيْسَ لِلْمُرْجِئَةِ أَنْ يَحْمِلُوا ذَلِكَ عَلَى الْكُفَّارِ كَمَا فَعَلُوا فِي آيَاتِ الْوَعِيدِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُفْتَتَحٌ بِأَهْلِ الصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلُهُ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) انْتَهَى.

وَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّحَيُّزُ سَوَاءٌ عَظُمَ الْعَسْكَرُ أَمْ لَا.

وَقِيلَ لَا يَجُوزُ إِذَا عَظُمَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ بِغَيْرِ شُرُوطِهِ كَبِيرَةٌ لِلتَّوَعُّدِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تَقْبَلُوا شَهَادَةَ مَنْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ وَإِنْ فَرَّ إمَامُهُمْ، وَمَنْ فَرَّ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ.

فَفِي التِّرْمِذِيِّ: مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت