فهرس الكتاب

الصفحة 2124 من 4059

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا(47)}

وَالظَّاهِرُ أَنْ يُرَادَ بِالْوُجُوهِ مَدْلُولُهَا الْحَقِيقِيُّ، وَأَمَّا طَمْسُهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: هُوَ أَنْ تُزَالَ الْعَيْنَانِ خَاصَّةً مِنْهَا وَتُرَدَّ فِي الْقَفَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ رَدًّا عَلَى الدُّبُرِ وَيَمْشِي الْقَهْقَرَى.

وَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ عُيُونَ وُجُوهٍ، وَلَا يُرَادُ بِذَلِكَ مُطْلَقُ وُجُوهٍ، بَلِ الْمَعْنَى وُجُوهُكُمْ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: طَمْسُ الْوُجُوهِ أَنْ يُعَفَّى آثَارُ الْحَوَاسِّ مِنْهَا فَتَرْجِعَ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ فِي الْخُلُوِّ مِنْ آثَارِ الْحَوَاسِّ مِنْهَا، وَالرَّدُّ عَلَى الْأَدْبَارِ هُوَ بِالْمَعْنَى أَيْ: خُلُوُّهُ مِنَ الْحَوَاسِّ. دَثِرَ الْوَجْهُ لِكَوْنِهِ عَابِرًا بِهَا، وَحَسَّنَ هَذَا الْقَوْلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَجَوَّزَهُ وَأَوْضَحَهُ، فَقَالَ: أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا أَيْ نَمْحُوَ تَخْطِيطَ صُوَرِهَا مِنْ عَيْنٍ وَحَاجِبٍ وَأَنْفٍ وَفَمٍ، فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا، فَنَجْعَلَهَا عَلَى هَيْئَةِ أَدْبَارِهَا وَهِيَ الْأَقْفَاءُ مَطْمُوسَةً مِثْلَهَا.

(أَوْ نَلْعَنَهُمْ)

وَظَاهِرُ اللَّعْنَةِ هُوَ الْمُتَعَارَفُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) .

وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ نَمْسَخُهُمْ كَمَا مَسَخْنَا أَصْحَابَ السَّبْتِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُمْ أَصْحَابُ أَيْلَةَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ بِالصَّيْدِ، وَكَانَتْ لَعْنَتُهُمْ أَنْ مُسِخُوا خَنَازِيرَ وَقِرْدَةً.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ نَهِيمُهُمْ فِي التِّيهِ حَتَّى يَمُوتَ أَكْثَرُهُمْ.

وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ أَوْ نَلْعَنَ، إِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي الدُّنْيَا.

وَلِذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ لَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ وَيَدُهُ عَلَى وَجْهِهِ فَأَسْلَمَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنْتُ أَرَى أَنْ أَصِلَ إِلَيْكَ حَتَّى يُحَوَّلَ وَجْهِي فِي قَفَايَ.

وَقَالَ مَالِكٌ: كَانَ إِسْلَامُ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَوَضَعَ كَفَّهُ عَلَى وَجْهِهِ وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى إِلَى بَيْتِهِ فَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ خِفْتُ أَنْ لَا أَبْلُغُ بَيْتِي حَتَّى يُطْمَسَ وَجْهِي.

وَقِيلَ: الطَّمْسُ الْمَسْخُ لِلْيَهُودِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا بُدَّ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ يَحِلُّ بِهِمْ فِي الْقِيَامَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَنَكَى لَهُمْ لِفَضِيحَتِهِمْ بَيْنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا عُجِّلَ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ.

وَهَذَا إِذَا حُمِلَ طَمْسُ الْوُجُوهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِمَّا إِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ تَغْيِيرُ أَحْوَالِ وُجَهَائِهِمْ أَوْ وُجُوهِ الْهُدَى وَالرُّشْدِ، فَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الطَّمْسُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ اللَّعْنُ، فَإِنَّهُمْ مَلْعُونُونَ بِكُلِّ لِسَانٍ.

وَتَعْلِيقُ الْإِيمَانِ بِقَبْلِيَّةِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُقُوعُهُمَا، بَلْ مَتَى وَقَعَ أَحَدُهُمَا صَحَّ التَّعْلِيقُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَعْيِينُ أَحَدِهِمَا.

وَقِيلَ: الْوَعِيدُ مَشْرُوطٌ بِالْإِيمَانِ، وَقَدْ آمَنَ منهم ناس.

وَالضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي (نَلْعَنَهُمْ)

قِيلَ: عَائِدٌ عَلَى الْوُجُوهِ إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْوُجَهَاءُ، أَوْ عَائِدٌ عَلَى أصحاب الوجوه، لأن الْمَعْنَى: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهَ قَوْمٍ، أَوْ عَلَى الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ، وَهَذَا عِنْدِي أَحْسَنُ.

وَمُحَسِّنُ هَذَا الِالْتِفَاتِ هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا نَادَاهُمْ كَانَ ذَلِكَ تَشْرِيفًا لَهُمْ، وَهَزَّ السَّمَاعِ مَا يُلْقِيهِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَلْقَى إِلَيْهِمُ الْأَمْرَ بِالْإِيمَانِ بِمَا نَزَلَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الَّذِي نَزَلَ هُوَ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ مِنْ كِتَابٍ، فَكَانَ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى الْإِيمَانِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْوَعِيدَ الْبَالِغَ فَحَذَفَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا)

وَالْمَعْني: وُجُوهكُمْ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ) فَأَتَى بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ، لِأَنَّ الْخِطَابَ حِينَ كَانَ الْوَعِيدُ بِطَمْسِ الْوُجُوهِ وَبِاللَّعْنَةِ لَيْسَ لَهُمْ لِيَبْقَى التَّأْنِيسُ وَالْهَمُّ وَالِاسْتِدْعَاءُ إِلَى الْإِيمَانِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِمُفَاجَأَةِ الْخِطَابِ الَّذِي يُوحِشُ السَّامِعَ وَيُرَوِّعُ الْقَلْبَ وَيَصِيرُ أَدْعَى إِلَى عَدَمِ الْقَبُولِ، وَهَذَا مِنْ جَلِيلِ الْمُخَاطَبَةِ. وَبَدِيعِ الْمُحَاوَرَةِ.

(وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا)

الْأَمْرُ هُنَا وَاحِدُ الْأُمُورِ، وَاكْتَفَى بِهِ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الْجِنْسِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَخْلُوقَاتِ: كَالْعَذَابِ، وَاللَّعْنَةِ، وَالْمَغْفِرَةِ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْمَأْمُورُ، مَصْدَرٌ وَقَعَ مَوْقِعُ الْمَفْعُولِ، وَالْمَعْنَى: الَّذِي أَرَادَهُ أَوْجَدَهُ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ أُخِّرَ تَكْوِينُهُ فَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ.

وَقَالَ: وَكَانَ إِخْبَارًا عَنْ جَرَيَانِ عَادَةِ اللَّهِ فِي تَهْدِيدِهِ الْأُمَمَ السَّالِفَةَ، وَأَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، فَاحْتَرِزُوا وَكُونُوا عَلَى حَذَرٍ مِنْ هَذَا الْوَعِيدِ. وَلِذَلِكَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا يَعْنِي: الطَّمْسَ وَاللَّعْنَةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت