قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَعَثَتْهُ عَلَى قَتْلِهِ.
[وَقِيلَ] شَجَّعَتْهُ.
[وَقِيلَ] زَيَّنَتْ لَهُ.
[وَقِيلَ] رَخَّصَتْ.
[وَقِيلَ] مِنَ الطَّوْعِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: طَاعَ لَهُ كَذَا أَيْ أَتَاهُ طَوْعًا.
[وَقِيلَ] تَابَعَتْهُ وَانْقَادَتْ لَهُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَسَّعَتْهُ لَهُ وَيَسَّرَتْهُ، مِنْ طَاعَ لَهُ الْمَرْتَعُ إِذَا اتَّسَعَ. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ فِعْلٌ مِنَ الطَّوْعِ وَهُوَ الِانْقِيَادُ، كَأَنَّ الْقَتْلَ كَانَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ مُتَعَاصِيًا.
وَأَصْلُهُ: طَاعَ لَهُ قَتْلُ أَخِيهِ أَيِ انْقَادَ لَهُ وَسَهُلَ، ثُمَّ عُدِّيَ بِالتَّضْعِيفِ فَصَارَ الْفَاعِلُ مَفْعُولًا وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْقَتْلَ فِي نَفْسِهِ مُسْتَصْعَبٌ عَظِيمٌ عَلَى النُّفُوسِ، فَرَدَّتْهُ هَذِهِ النَّفْسُ اللَّحُوحُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ طَائِعًا مُنْقَادًا حَتَّى أَوْقَعَهُ صَاحِبُ هَذِهِ النَّفْسِ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْجَرَّاحُ، وَالْحَسَنُ بْنُ عِمْرَانَ، وَأَبُو وَاقِدٍ: فَطَاوَعَتْهُ، فَيَكُونُ فَاعَلَ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ نَحْوَ: ضَارَبْتُ زَيْدًا، كَأَنَّ الْقَتْلَ يَدْعُوهُ بِسَبَبِ الْحَسَدِ إِصَابَةَ قَابِيلَ، أَوْ كَأَنَّ النَّفْسَ تَأْبَى ذَلِكَ وَيَصْعُبُ عَلَيْهَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُرِيدُ أَنْ يُطِيعَهُ الْآخَرُ، إِلَى أَنْ تَفَاقَمَ الْأَمْرُ وَطَاوَعَتِ النَّفْسُ الْقَتْلَ فَوَافَقَتْهُ.
(فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَسِرَ فِي الدُّنْيَا بِإِسْخَاطِ وَالِدَيْهِ وَبَقَائِهِ بِغَيْرِ أَخٍ، وَفِي الْآخِرَةِ بِإِسْخَاطِ رَبِّهِ وَصَيْرُورَتِهِ إِلَى النَّارِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مِنَ الْخَاسِرِينَ لِلْحَسَنَاتِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: مِنَ الْخَاسِرِينَ أَنْفُسَهُمْ بِإِهْلَاكِهِمْ إِيَّاهَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خُسْرَانُهُ أَنْ عُلِّقَتْ إِحْدَى رِجْلَيِ الْقَاتِلِ لِسَاقِهَا إِلَى فَخْذِهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَوَجْهُهُ إِلَى الشَّمْسِ حَيْثُ مَا دَارَتْ عَلَيْهِ فِي الصَّيْفِ حَظِيرَةٌ مِنْ نَارٍ وَعَلَيْهِ فِي الشِّتَاءِ حَظِيرَةٌ مِنْ ثَلْجٍ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَعَلَّ هَذَا يَكُونُ عُقُوبَتَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ عَاصٍ لَا كَافِرٌ، فَيَكُونُ خُسْرَانَهُ فِي الدُّنْيَا.
وَقِيلَ: مِنَ الْخَاسِرِينَ بِاسْوِدَادِ وَجْهِهِ، وَكُفْرِهِ بِاسْتِحْلَالِهِ مَا حُرِّمَ مِنْ قَتْلِ أَخِيهِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِعَذَابِ النَّارِ.
وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ: «مَا قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ» .
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا لَنَجِدُ ابْنَ آدَمَ الْقَاتِلَ يُقَاسِمُ أَهْلَ النَّارِ قِسْمَةً صَحِيحَةً فِي الْعَذَابِ عَلَيْهِ شِطْرُ عَذَابِهِمْ.