فهرس الكتاب

الصفحة 3357 من 4059

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) }

لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، ذَكَرَ مَا هُوَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ تَنْقِيصًا مِنْ شَأْنِهِمْ وَتَحْقِيرًا لَهُمْ، وَأَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ لَا يَنْبَغِي تَعْظِيمُهُمْ، فَضْلًا عَنِ اتِّخَاذِهِمْ أَرْبَابًا لِمَا اشْتَمَلُوا عَلَيْهِ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.

وَانْدَرَجُوا فِي عُمُومِ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الْخَصْلَتَيْنِ الْمَذْمُومَتَيْنِ: أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَكَنْزِ الْمَالِ إِنْ ضَنُّوا أَنْ يُنْفِقُوهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَكْلُهُمُ الْمَالَ بِالْبَاطِلِ هُوَ أَخْذُهُمْ مِنْ أَمْوَالِ أَتْبَاعِهِمْ ضَرَائِبَ بِاسْمِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُوهِمُونَهُمْ بِهِ أَنَّ النَّفَقَةَ فِيهِ مِنَ الشَّرْعِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ، وَهُمْ يَحْجُبُونَ تِلْكَ الْأَمْوَالَ كَالرَّاهِبِ الَّذِي اسْتَخْرَجَ سَلْمَانُ كَنْزَهُ.

وَكَمَا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرِّشَا فِي الْأَحْكَامِ، كَإِيهَامِ حِمَايَةِ دِينِهِمْ، وَصَدُّهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ وَاتِّبَاعُ الرَّسُولِ.

وَقِيلَ: الْجَوْرُ فِي الْحُكْمِ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ (يَصُدُّونَ) مُتَعَدِّيًا وَهُوَ أَبْلَغُ فِي الذَّمِّ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَاصِرًا.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَالَّذِينَ بِالْوَاوِ، وَهُوَ عَامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ مَنْ يَكْنِزُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ مُبْتَدَأٌ ضُمِّنَ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَلِذَلِكَ دَخَلَتِ الْفَاءُ فِي خَبَرِهِ فِي قَوْلِهِ: (فَبَشِّرْهُمْ) .

وَقِيلَ: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ مِنْ أَوْصَافِ الْكَثِيرِ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ.

وَقِيلَ: كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ أَرَادَ بِهِ مَانِعِي الزَّكَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

وَالظَّاهِرُ الْعُمُومُ كَمَا قُلْنَاهُ، فَيَقْرِنُ بَيْنَ الْكَانِزِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَبَيْنَ الْمُرْتَشِينَ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ تَغْلِيظًا وَدَلَالَةً عَلَى أَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي التَّبْشِيرِ بِالْعَذَابِ.

وَرُوِيَ الْعُمُومُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ.

وَقَرَأَ ابْنُ مُصَرِّفٍ: الَّذِينَ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهِ مِنْ أَوْصَافِ مَنْ تَقَدَّمَ، وَيَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنَافَ وَالْعُمُومَ.

وَالظَّاهِرُ ذَمُّ مَنْ يَكْنِزُ وَلَا يُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

وَمَا جَاءَ فِي ذَمِّ مَنْ تَرَكَ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ، وَأَنَّهُ يُكْوَى بِهَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ أَحَادِيثَ هُوَ قَبْلُ أَنْ تُفْرَضَ الزَّكَاةُ، وَالتَّوَعُّدُ فِي الْكَنْزِ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى مَنْعِ الْحُقُوقِ مِنْهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: الْكَنْزُ هُوَ الْمَالُ الَّذِي لَا تُؤَدَّى زَكَاتُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَأَمَّا الْمَالُ الْمَدْفُونُ إِذَا أُخْرِجَتْ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ مَا أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ»

وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ بَاعَ أَرْضًا أَحْرِزْ مَالَكَ الَّذِي أَخَذْتَ احْفِرْ لَهُ تَحْتَ فِرَاشِ امْرَأَتِكَ فَقَالَ: أَلَيْسَ بِكَنْزٍ، فَقَالَ:

«مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» .

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعِكْرِمَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالسُّدِّيِّ وَمَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِثْلُ ذَلِكَ.

وَقَالَ عَلِيٌّ: أَرْبَعَةُ آلَافٍ فَمَا دَوَّنَهَا نَفَقَةٌ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ.

وقال أبو ذر وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ: مَا فَضَلَ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ عَلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ فَهُوَ كَنْزٌ.

وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يَقْتَضِيَانِ أَنَّ الذَّمَّ فِي جِنْسِ الْمَالِ، لَا فِي مَنْعِ الزَّكَاةِ فَقَطْ.

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً» فَأَتَى فَرْضُ الزَّكَاةِ عَلَى هَذَا كُلِّهِ، كَأَنَّ الْآيَةَ تَضَمَّنَتْ: لَا تَجْمَعُوا مَالًا فَتُعَذَّبُوا، فَنَسَخَهُ التَّقْرِيرُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) وَاللَّهُ تَعَالَى أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَجْمَعَ عَلَى عَبْدِهِ مَالًا مِنْ جِهَةٍ أَذِنَ لَهُ فِيهَا وَيُؤَدِّي عَنْهُ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ فِيهِ ثُمَّ يُعَاقِبُهُ، وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وطلحة بن عبيد الله، يَقْتَنُونَ الْأَمْوَالَ وَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، وَمَا عَابَهُمْ أَحَدٌ مِمَّنْ أعرض عَنِ الْفِتْنَةِ، لِأَنَّ الْإِعْرَاضَ اخْتِيَارٌ لِلْأَفْضَلِ وَالْأَدْخَلِ فِي الْوَرَعِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالِاقْتِنَاءُ مُبَاحٌ مُوَسَّعٌ لَا يُذَمُّ صَاحِبُهُ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَلَامٌ فِي الْأَفْضَلِ.

وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ: (يُكْنِزُونَ) بِضَمِّ الْيَاءِ.

وَخَصَّ بِالذِّكْرِ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ لِأَنَّهُمَا قِيَمُ الْأَمْوَالِ وَأَثْمَانُهَا، وَهُمَا لَا يُكْنَزَانِ إِلَّا عَنْ فَضْلَةٍ وَعَنْ كَثْرَةٍ، وَمَنْ كَنَزَهُمَا لَمْ يُعْدَمْ سَائِرَ أَجْنَاسِ الْأَمْوَالِ، وَكَنْزُهُمَا يَدُلُّ عَلَى مَا سِوَاهُمَا.

وَالضَّمِيرُ فِي: (وَلَا يُنْفِقُونَهَا) عَائِدٌ عَلَى الذَّهَبِ، لِأَنَّ تَأْنِيثَهُ أَشْهَرُ، أَوْ عَلَى الْفِضَّةِ. وَحُذِفَ الْمَعْطُوفُ فِي هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَوْ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ تَحْتَهُمَا أَنْوَاعًا، فَرُوعِيَ الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ: (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) أَوْ لِأَنَّهُمَا مُحْتَوِيَانِ عَلَى جَمْعِ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ، أَوْ عَلَى الْمَكْنُوزَاتِ، لِدَلَالَةِ يَكْنِزُونَ. أَوْ عَلَى الْأَمْوَالِ، أَوْ عَلَى النَّفَقَةِ وَهِيَ الْمَصْدَرُ الدَّالُّ عَلَيْهِ.

(وَلَا يُنْفِقُونَهَا) أَوْ عَلَى الزَّكَاةِ أَيْ: وَلَا يُنْفِقُونَ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ. أَقْوَالٌ.

وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: عَادَ عَلَى أَحَدِهِمَا كَقَوْلِهِ: (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا) وَلَيْسَ مِثْلَهُ، لِأَنَّ هَذَا عَطْفٌ بَأَوْ، فَحُكْمُهُمَا أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى أَحَدِ الْمُتَعَاطِفَيْنِ بِخِلَافِ الْوَاوِ، إِلَّا إِنِ ادَّعَى أَنَّ الْوَاوَ فِي (وَالْفِضَّةَ) بِمَعْنَى أَوْ لِيَمْكُنَ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت