فهرس الكتاب

الصفحة 3744 من 4059

{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ(4)}

وَالْعَامِلُ فِي (إِذْ) قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ: (اذْكُرْ) .

وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنْ (أَحْسَنَ الْقَصَصِ) قَالَ: وَهُوَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ، لِأَنَّ الْوَقْتَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْقَصَصِ وَهُوَ الْمَقْصُوصُ، فَإِذَا قَصَّ وَقْتَهُ فَقَدْ قَصَّ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ نَقُصُّ كَانَ الْمَعْنَى: نَقُصُّ عَلَيْكَ الْحَالَ إِذْ وَهَذِهِ التَّقْدِيرَاتُ لَا تَتَّجِهُ حَتَّى تُخْلَعَ (إِذْ) مِنْ دَلَالَتِهَا عَلَى الْوَقْتِ الْمَاضِي، وَتُجَرَّدَ لِلْوَقْتِ الْمُطْلَقِ الصَّالِحِ لِلْأَزْمَانِ كُلِّهَا عَلَى جِهَةِ الْبَدَلِيَّةِ.

وَحَكَى مَكِّيٍّ أَنَّ الْعَامِلَ فِي إِذْ الْغَافِلِينَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْعَامِلَ فِيهِ (قَالَ يَا بُنَيَّ) كَمَا تَقُولُ: إِذْ قَامَ زَيْدٌ قَامَ عَمْرٌو، وَتَبْقَى إِذْ عَلَى وَضْعِهَا الْأَصْلِيِّ مِنْ كَوْنِهَا ظَرْفًا لِمَا مضى.

و (يوسف) اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ، وَتَقَدَّمَتْ سِتُّ لُغَاتٍ فِيهِ. وَمَنْعُهُ الصَّرْفَ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَسَفِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ لُغَاتِهِ يَكُونُ فِيهِ الْوَزْنُ الْغَالِبُ، لِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ أَعْجَمِيًّا غَيْرَ أَعْجَمِيٍّ.

وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالْهَمْزِ وَفَتْحِ السِّينِ.

وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَالْأَعْرَجُ: (يَا أَبَتَ) بِفَتْحِ التَّاءِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ وَالْجُمْهُورُ بِكَسْرِهَا، وَوَقَفَ الِابْنَانِ عَلَيْهَا بِالْهَاءِ، وَهَذِهِ التَّاءُ عِوَضٌ مِنْ يَاءِ الْإِضَافَةِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ، وَتَجَامَعَ الْأَلِفُ الَّتِي هِيَ بَدَلٌ مِنَ التَّاءِ قَالَ: يَا أَبَتَا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكَا.

وَوَجْهُ الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّاءِ مَفْتُوحَةً أَنَّهُ اجْتَزَأَ بِالْفَتْحَةِ عَنِ الألف، أَوْ رُخِّمَ بِحَذْفِ التَّاءِ، ثُمَّ أُقْحِمَتْ قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ. أَوْ الْأَلِفُ فِي أَبَتَا لِلنُّدْبَةِ، فَحَذَفَهَا قَالَهُ: الْفَرَّاءُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَقُطْرُبٌ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ نُدْبَةٍ أَوِ الْأَصْلُ يَا أَبَةً بِالتَّنْوِينِ، فَحُذِفَ وَالنِّدَاءُ نَادِ حُذِفَ قَالَهُ قُطْرُبٌ، وَرُدَّ بِأَنَّ التَّنْوِينَ لَا يُحْذَفُ مِنَ الْمُنَادَى الْمَنْصُوبِ نَحْوَ: يَا ضَارِبًا رَجُلًا، وَفَتَحَ أَبُو جَعْفَرٍ يَاءَ (إِنِّيَ) .

وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ: أَحَدَ عَشَرَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ لِتَوَالِي الْحَرَكَاتِ، وَلِيَظْهَرَ جَعْلُ الاسمين اسما واحدا.

و (رأيت) هِيَ حُلْمِيَّةٌ لِدَلَالَةِ مُتَعَلّقِهَا عَلَى أَنَّهُ مَنَامٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَوَاكِبَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ.

وَقِيلَ: رَأَى إِخْوَتَهُ وَأَبَوَيْهِ، فَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ، وَعَبَّرَ عَنِ الشَّمْسِ عَنْ أُمِّهِ.

وَقِيلَ: عَنْ خَالَتِهِ رَاحِيلَ، لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ مَاتَتْ.

وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ أَسْمَاءِ الْكَوَاكِبِ الَّتِي رَآهَا يُوسُفُ، فَسَكَتَ عَنْهُ، وَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَهُ بِأَسْمَائِهَا، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودِيَّ فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ إِنْ أَخْبَرْتُكَ بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: جَرَيَانُ، وَالطَّارِقُ، وَالذَّيَّالُ، وَذُو الْكَتِفَيْنِ، وَقَابِسُ، وَوَثَّابُ، وَعَمُودَانُ، وَالْفَلِيقُ، وَالْمُصْبِحُ، وَالضَّرُوحُ، وَالْفُرُغُ، وَالضِّيَاءُ، وَالنُّورُ. فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِي وَاللَّهِ إِنَّهَا لَأَسْمَاؤُهَا.

وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ مُسْنَدًا إلى الحرث بْنِ أَبِي أُسَامَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ بَعْضُ اخْتِلَافٍ، وَذَكَرَ النَّطْحَ عِوَضًا عَنِ الْمُصْبَحِ.

وَعَنْ وَهْبٍ أَنَّ يُوسُفَ رَأَى وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ عَصًا طُوَالًا كَانَتْ مَرْكُوزَةً فِي الْأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدَّارَةِ، وَإِذَا عَصًا صَغِيرَةٌ تَثِبُ عَلَيْهَا حَتَّى اقْتَلَعَتْهَا وَغَلَبَتْهَا، فَوَصَفَ ذَلِكَ لِأَبِيهِ فَقَالَ: إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ هَذَا لِإِخْوَتِكَ، ثُمَّ رَأَى وَهُوَ ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ سُجُودًا لَهُ فَقَصَّهَا عَلَى أَبِيهِ فَقَالَ لَهُ: لَا تَقُصُّهَا عَلَيْهِمْ فَيَبْغُوا لَكَ الْغَوَائِلَ، وَكَانَ بَيْنَ رُؤْيَا يُوسُفَ وَمَسِيرِ إِخْوَتِهِ إِلَيْهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً.

وَقِيلَ: ثَمَانُونَ [1] .

وَرُوِيَ أَنَّ رُؤْيَا يُوسُفَ كَانَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ [2] .

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيْسَا مُنْدَرِجَيْنِ فِي الْأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا، وَلِذَلِكَ حِينَ عَدَّهُمَا الرَّسُولُ لِلْيَهُودِيِّ ذَكَرَ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا غَيْرَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّهُمَا مُنْدَرِجَانِ فِي الْأَحَدَ عَشَرَ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) لِمَ أَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ؟

(قُلْتُ) أَخَّرَهُمَا لِيَعْطِفَهُمَا عَلَى الْكَوَاكِبِ عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِصَاصِ إِثْبَاتًا لِفَضْلِهِمَا، وَاسْتِبْدَادِهِمَا بِالْمَزِيَّةِ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الطَّوَالِعِ، كَمَا أَخَّرَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ عَنِ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ عَطَفَهُمَا عَلَيْهِمَا لِذَلِكَ.

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ، أَيْ: رَأَيْتُ الْكَوَاكِبَ مَعَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ انْتَهَى.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّأْخِيرَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّرَقِّي مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى، وَلَمْ يَقَعِ التَّرَقِّي فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ جَرْيًا عَلَى مَا اسْتَقَرَّ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَا قُدِّمَتْ عَلَيْهِ.

قَالَ تَعَالَى: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ) وَقَالَ: (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا) وَقُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِسُطُوعِ نُورِهَا وَكِبَرِ جرْمِهَا وَغَرَابَةِ سَيْرِهَا، وَاسْتِمْدَادِهِ مِنْهَا، وَعُلُوِّ مَكَانِهَا.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ (رَأَيْتُهُمْ) كَرَّرَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلطُّولِ بِالْمَفَاعِيلِ، كَمَا كُرِّرَ (أنَّكُمْ) فِي قَوْلِهِ (أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) لِطُولِ الْفَصْلِ بِالظَّرْفِ وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) مَا مَعْنَى تَكْرَارِ رَأْيَتُهُمْ؟

(قُلْتُ) لَيْسَ بِتَكْرَارٍ، إِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ عَلَى تَقْدِيرِ سُؤَالٍ وَقَعَ جَوَابًا لَهُ، كَانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) كَيْفَ رَأَيْتَهَا سَائِلًا عَنْ حَالِ رُؤْيَتِهَا؟ فَقَالَ: (رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) انْتَهَى.

وَجَمَعَهُمْ جَمْعَ مَنْ يَعْقِلُ، لِصُدُورِ السُّجُودِ لَهُ، وَهُوَ صِفَةُ مَنْ يَعْقِلُ، وَهَذَا سَائِغٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَهُوَ أَنْ يُعْطِيَ الشَّيْءَ حُكْمَ الشَّيْءِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي وَصْفٍ مَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْوَصْفُ أَصْلُهُ أَنْ يَخُصَّ أَحَدَهُمَا.

وَالسُّجُودُ: سُجُودُ كَرَامَةٍ، كَمَا سَجَدَتِ الْمَلَائِكَةُ لِآدَمَ.

وَقِيلَ: كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ السُّجُودُ تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.

[1] يفتقر إلى سند صحيح، والله أعلم.

[2] كسابقه يفتقر إلى سند صحيح، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت