{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ... (143) }
وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الْأشْهَادُ أَرْبَعَةٌ: الْمَلَائِكَةُ بِإِثْبَاتِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ، وَالْأَنْبِيَاءُ، وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وَالْجَوَارِحُ. انْتَهَى.
وَلَمَّا كَانَ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ بِالْبَصَرِ وَالْإِدْرَاكِ بِالْبَصِيرَةِ مُنَاسِبَةٌ شَدِيدَةٌ، سُمِّيَ إِدْرَاكُ الْبَصِيرَةِ: مُشَاهِدَةً وَشُهُودًا، وَسُمِّيَ الْعَارِفُ: شَاهِدًا وَمُشَاهِدًا، ثُمَّ سُمِّيَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى الشَّيْءِ: شَهَادَةً عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي بِهَا صَارَ الشَّاهِدُ شَاهِدًا.
وَقَدِ اخْتَصَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ بِمَنْ يُخْبِرُ عَنْ حُقُوقِ النَّاسِ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى جِهَاتٍ.
قَالُوا: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: (أُمَّةً وَسَطًا) أَيْ عُدُولًا خِيَارًا.
وَقَالَ بَقِيَّةُ الْعُلَمَاءِ: الْعَدَالَةُ وَصْفٌ عَارِضٌ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَقَدِ اخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ النَّاسِ، وَلِمَا غَلَبَ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَّاصِ.
(وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)
لَا خِلَافَ أَنَّ الرَّسُولَ هُنَا هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي شَهَادَتِهِ أَقْوَالٌ:
أَحَدُهَا: شَهَادَتُهُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِ.
الثَّانِي: شَهَادَتُهُ عَلَيْهِمْ بِإِيمَانِهِمْ.
الثَّالِثُ: يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ.
الرَّابِعُ: تَزْكِيَتُهُ لَهُمْ وَتَعْدِيلُهُ إِيَّاهُمْ.
قَالَهُ عَطَاءٌ.
قَالَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ شُهَدَاءُ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْحَقَّ مِنَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَالرَّسُولُ شَهِيدٌ مُعَدِّلٌ مُزَكٍّ لَهُمْ.
وَلَمَّا كَانَ الشَّهِيدُ كَالرَّقِيبِ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ، جِيءَ بِكَلِمَةٍ (عَلَى) وَتَأَخَّرَ حَرْفُ الْجَرِّ فِي قَوْلِهِ: (عَلَى النَّاسِ) ، عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ. جَاءَ ذَلِكَ عَلَى الْأَصْلِ، إِذِ الْعَامِلُ أَصْلُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْمَعْمُولِ.
وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ: (عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) فَتَقَدَّمَهُ مِنْ بَابِ الِاتِّسَاعِ فِي الْكَلَامِ لِلْفَصَاحَةِ، وَلِأَنَّ شَهِيدًا أَشْبَهُ
بِالْفَوَاصِلِ وَالْمَقَاطِعِ مِنْ قَوْلِهِ: (عَلَيْكُمْ) فَكَانَ قَوْلُهُ: (شَهِيدًا) تَمَامَ الْجُمْلَةِ، وَمَقْطَعُهَا دُونَ عَلَيْكُمْ.
وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ أَنَّ تَقْدِيمَ (عَلَى) أَوَّلًا، لِأَنَّ الْغَرَضَ فِيهِ إِثْبَاتُ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْأُمَمِ وَتَأْخِيرُ (عَلَى) لِاخْتِصَاصِهِمْ بِكَوْنِ الرَّسُولِ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ: أَنَّ تَقْدِيمَ الْمَفْعُولِ وَالْمَجْرُورِ يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا بُطْلَانَ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّ ذَلِكَ دَعْوَى لَا يَقُومُ عَلَيْهَا بِرِهَانٌ.
وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ تَعْلِيلِ جَعْلِهِمْ وَسَطًا بِكَوْنِهِمْ شُهَدَاءَ، وَتَأَخَّرَ التَّعْلِيلُ بِشَهَادَةِ الرَّسُولِ، لِأَنَّهُ كَذَلِكَ يَقَعُ. أَلَّا تَرَى أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى الْأُمَمِ، ثُمَّ يَشْهَدُ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ، عَلَى مَا نُصَّ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُمْ إِذَا نَاكَرَتِ الْأُمَمُ رُسُلَهُمْ وَشَهِدَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، يُؤْتَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسْأَلُ عَنْ حَالِ أُمَّتِهِ، فَيُزَكِّيهِمْ وَيَشْهَدُ بِصِدْقِهِمْ؟ وَإِنْ فُسِّرَتِ الشَّهَادَتَانِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ شَهَادَةُ الرَّسُولِ مُتَقَدِّمَةً فِي الزَّمَانِ، فَيَكُونُ التَّأْخِيرُ لِذِكْرِ شَهَادَةِ الرَّسُولِ مِنْ بَابِ التَّرَقِّي، لِأَنَّ شَهَادَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ أَشْرَفُ مِنْ شَهَادَتِهِمْ عَلَى النَّاسِ.
وَأَتَى بِلَفْظِ الرَّسُولِ، لِمَا فِي الدَّلَالَةِ بِلَفْظِ الرَّسُولِ عَلَى اتِّصَافِهِ بِالرِّسَالَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَى أُمَّتِهِ.
وَأَتَى بِجَمْعِ فُعَلَاءَ، الَّذِي هُوَ جَمْعُ فَعِيلٍ وَبِشَهِيدٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ لِلْمُبَالَغَةِ دُونَ قَوْلِهِ: (شَاهِدِينَ) أَوْ إِشْهَادًا، أَوْ شَاهِدًا.
وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) عَلَى أَنَّ التَّزْكِيَةَ تَقْتَضِي قَبُولَ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: مَعْنَى شَهِيدًا: مُزَكِّيًا لَكُمْ، قَالُوا: وَعَلَيْكُمْ تَكُونُ بِمَعْنَى: لَكُمْ.
(إِلَّا لِنَعْلَمَ)
اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الْمَفْعُولِ لَهُ، وَفِيهِ حَصْرُ السَّبَبِ، أَيْ مَا سَبَّبَ تَحْوِيلَ الْقِبْلَةِ إِلَّا كَذَا.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (لِنَعْلَمَ) ابْتِدَاءُ الْعِلْمِ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى الظَّاهِرِ، إِذْ يَسْتَحِيلُ حُدُوثُ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى. فَأُوِّلَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ لِيَعْلَمَ رسولنا والمؤمنون، وأسند عِلْمَهُمْ إِلَى ذَاتِهِ، لِأَنَّهُمْ خَوَاصُّهُ وَأَهْلُ الزُّلْفَى لَدَيْهِ. فَيَكُونُ هَذَا مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ، أَوْ عَلَى إِطْلَاقِ الْعِلْمِ عَلَى مَعْنَى التَّمْيِيزِ، لِأَنَّ بِالْعِلْمِ يَقَعُ التَّمْيِيزُ، أَيْ لِنُمَيِّزَ التَّابِعَ مِنَ النَّاكِصِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) وَيَكُونُ هَذَا مِنْ مَجَازِ إِطْلَاقِ السَّبَبِ، وَيُرَادُ بِهِ الْمُسَبَّبُ.
أَوْ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ ذِكْرَ عِلْمِهِ وَقْتِ مُوَافَقَتِهِمُ الطَّاعَةَ أَوِ الْمَعْصِيَةَ، إِذْ بِذَلِكَ الْوَقْتِ يَتَعَلَّقُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ. فَلَيْسَ الْمَعْنَى لِنُحْدِثَ الْعِلْمَ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى لِنَعْلَمَ ذَلِكَ مَوْجُودًا، إِذِ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ فِي الْقِدَمِ مَنْ يَتْبَعُ الرَّسُولَ. وَاسْتَمَرَّ الْعِلْمُ حَتَّى وَقَعَ حُدُوثَهُمْ، وَاسْتَمَرَّ فِي حِينِ الِاتِّبَاعِ وَالِانْقِلَابِ، وَاسْتَمَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَاللَّهُ تَعَالَى مُتَّصِفٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَعْلَمُ، وَيَكُونُ هَذَا قَدْ كَنَّى فِيهِ بِالْعِلْمِ عَنْ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ، أَيْ لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنَا بِذَلِكَ فِي حَالِ وُجُودِهِ. أَوْ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْعِلْمِ التَّثْبِيتَ، أَيْ لِنُثَبِّتَ التَّابِعَ، وَيَكُونُ مِنْ إِطْلَاقِ السبب، ويراد به المسبب، لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلرَّسُولِ، فَهُوَ ثَابِتُ الِاتِّبَاعِ. أَوْ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْعِلْمِ الْجَزَاءُ، أَيْ لِنُجَازِيَ الطَّائِعَ وَالْعَاصِيَ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ التَّهْدِيدُ فِي الْقُرْآنِ، وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ، بِذِكْرِ الْعِلْمِ، كَقَوْلِكَ: زِيدٌ عَصَاكَ، وَالْمَعْنَى: أَنَا أُجَازِيهِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْمُسْتَقْبَلِ هُنَا الْمَاضِي، التَّقْدِيرُ: لَمَّا عَلِمْنَا، أَوْ لِعِلْمِنَا مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يُخَالِفُ.
فَهَذِهِ كُلُّهَا تَأْوِيلَاتٌ فِي قَوْلِهِ: (لِنَعْلَمَ) فِرَارًا مِنْ حُدُوثِ الْعِلْمِ وَتَجَدُّدِهِ، إِذْ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ مُسْتَحِيلٌ. وَكُلُّ مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، أُوِّلَ بِمَا يُنَاسِبُهُ مِنْ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ.
وَأَتَى بِلَفْظِ الرَّسُولِ، وَلَمْ يَجْرِ عَلَى ذَلِكَ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: (كُنْتَ عَلَيْها) فَكَانَ يَكُونُ الْكَلَامُ مَنْ يَتَّبِعُكَ، لِمَا فِي لَفْظِهِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الرِّسَالَةِ.
وَجَاءَ الخطاب مكتنفا بذكر الرَّسُولِ مَرَّتَيْنِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَصَاحَةِ وَالتَّفَنُّنِ فِي الْبَلَاغَةِ، وَلِيَعْلَمَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالرِّسَالَةِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الشَّهَادَةُ وَالْمَتْبُوعِيَّةُ مِنَ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ خَاصَّةً، أَتَى بِلَفْظِ الرَّسُولِ، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالتَّبْلِيغِ الْمَحْضِ.
وَلَمَّا كَانَ التَّوَجُّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ تَوَجُّهًا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَلِفَهُ الْإِنْسَانُ، وَلَهُ إِلَى ذَلِكَ نُزُوعٌ، أَتَى بِالْخِطَابِ دُونَ لَفْظِ الرِّسَالَةِ، فَقِيلَ: (الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها) فَهَذِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، حِكْمَةُ الِالْتِفَاتِ هُنَا.
وَقَوْلُهُ: (يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ)
كِنَايَةٌ عَنِ الرُّجُوعِ عَمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ إِيمَانٍ أَوْ شُغْلٍ. وَالرُّجُوعُ عَلَى الْعَقِبِ أَسْوَأُ أَحْوَالِ الرَّاجِعِ فِي مَشْيِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَلِذَلِكَ شُبِّهَ الْمُرْتَدُّ فِي الدِّينِ بِهِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِالْإِيمَانِ، فَلَمَّا حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ، ارْتَابَ فَعَادَ إِلَى الْكُفْرِ، فَهَذَا انْقِلَابٌ مَعْنَوِيٌّ، وَالِانْقِلَابُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ.
(إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ)
خَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ ظَاهِرٌ، وَهِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى التَّعْلِيلِ لِمَا قَبْلَهَا، أَيْ لِلُطْفِ رَأْفَتِهِ وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ، نَقَلَكُمْ مِنْ شَرْعٍ إِلَى شَرْعٍ أَصْلَحَ لَكُمْ وَأَنْفَعَ فِي الدِّينِ، أَوْ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا مَشَقَّةً عَلَى الَّذِينَ هَدَاهُمْ، أَوْ لَا يُضِيعُ إِيمَانَ مَنْ آمَنَ، وَهَذَا الْأَخِيرُ أَظْهَرُ.
وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي بِالنَّاسِ يَحْتَمِلُ الْجِنْسَ، كَمَا قَالَ: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ، وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا، وَيَحْتَمِلُ الْعَهْدَ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَلَمَّا كَانَ نَفْيُ الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ مُبَالَغًا فِيهَا مِنْ حَيْثُ لَامُ الْجَحُودِ، نَاسَبَ إِثْبَاتُ الْجُمْلَةِ الْخَاتِمَةِ مُبَالِغًا فِيهَا، فَبُولِغَ فِيهَا بِإِنَّ وَبِاللَّامِ وَبِالْوَزْنِ عَلَى فَعَوْلٍ وَفَعِيلٍ، كُلُّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى سَعَةِ الرَّحْمَةِ وَكَثْرَةِ الرَّأْفَةِ.
وَتَأَخَّرَ الْوَصْفُ بِالرَّحْمَةِ لِكَوْنِهِ فَاصِلَةً، وَتَقَدَّمَ الْمَجْرُورُ اعْتِنَاءً بِالْمَرْءُوفِ بِهِمْ.
وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَنْ نَظَرَ الْأَمْرَ بِعَيْنِ التَّفْرِقَةِ، كَبُرَ عَلَيْهِ أَمْرُ التَّحْوِيلِ وَمَنْ نَظَرَ بِعَيْنِ الْحَقِيقَةِ، ظَهَرَ لِبَصِيرَتِهِ وَجْهُ الصَّوَابِ.