فهرس الكتاب

الصفحة 2635 من 4059

{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ(2)}

ظَاهِرُهُ أَنَّا مَخْلُوقُونَ مِنْ طِينٍ، وَذَكَرَ ذَلِكَ الْمَهْدَوِيُّ وَمَكِّيُّ وَالزَّهْرَاوِيُّ عَنْ فِرْقَةٍ فَالنُّطْفَةُ الَّتِي يُخْلَقُ مِنْهَا الْإِنْسَانُ أَصْلُهَا مِنْ طِينٍ ثُمَّ يَقْلِبُهَا اللَّهُ نُطْفَةً.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: يَرْجِعُ بَعْدَ التَّوَلُّدِ وَالِاسْتَحَالَاتِ الْكَثِيرَةِ نُطْفَةً وَذَلِكَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ انْتَهَى.

وَقَالَ النَّحَّاسُ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النُّطْفَةُ خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ طِينٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ ثُمَّ قَلَبَهَا حَتَّى كَانَ الْإِنْسَانُ مِنْهَا انْتَهَى.

وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ عَنْ بريد بْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثًا فِي الْخَلْقِ آخِرُهُ: «وَيَأْخُذُ التُّرَابَ الَّذِي يُدْفَنُ فِي بُقْعَتِهِ وَيَعْجِنُ بِهِ نُطْفَتَهُ» ،

فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ) الْآيَة.

وَخُرِّجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَقَدْ دَرَّ عَلَيْهِ مِنْ تُرَابِ حُفْرَتِهِ» .

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ: وَعِنْدِي فِيهِ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ الْإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ مِنَ الْمَنِيِّ وَمِنْ دَمِ الطَّمْثِ الْمُتَوَلِّدَيْنِ مِنَ الْأَغْذِيَةِ، وَالْأَغْذِيَةُ حَيَوَانِيَّةٌ وَالْقَوْلُ فِي كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِهَا، كَالْقَوْلِ فِي الْإِنْسَانِ أَوْ نَبَاتِيَّةٌ فَثَبَتَ تَوَلُّدُ الْإِنْسَانِ مِنَ النَّبَاتِيَّةِ وَهِيَ مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ الطِّينِ فَكُلُّ إِنْسَانٍ مُتَوَلِّدٌ. مِنَ الطِّينِ وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ انْتَهَى.

وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ عِنْدَهُ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ، هُوَ بَسْطُ مَا حَكَاهُ الْمُفَسِّرُونَ عَنْ فِرْقَةٍ.

وَقَالَ فِيهِ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ يَعْنِي الْقَوْلَ: بِالتَّوَالُدِ وَالِاسْتَحَالَاتِ وَالَّذِي هُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ، أَنَّ الْمَخْلُوقَ مِنَ الطِّينِ هُنَا هُوَ آدَمُ.

قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ: الْمَعْنَى خُلِقَ آدَمُ مِنْ طِينٍ وَالْبَشَرُ مِنْ آدَمَ فَلِذَلِكَ قَالَ: (خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ)

وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النَّاسُ وَلَدُ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» .

فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّأْوِيلُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ إِمَّا فِي (خَلَقَكُمْ) أَيْ خَلَقَ أَصْلَكُمْ، وَإِمَّا فِي (مِنْ طِينٍ) أَيْ مِنْ عِرْقِ طِينٍ وَفَرْعِهِ.

(ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)

(قَضى) إِنْ كَانَتْ هُنَا بِمَعْنَى قَدَّرَ وَكَتَبَ، كَانَتْ (ثُمَّ) هُنَا لِلتَّرْتِيبِ فِي الذِّكْرِ لَا فِي الزَّمَانِ لِأَنَّ ذَلِكَ سَابِقٌ عَلَى خَلْقِنَا، إِذْ هِيَ صِفَةُ ذَاتٍ وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى أَظْهَرَ، كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ عَلَى أَصْلِ وَضْعِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ خَلْقِنَا فَهِيَ صِفَةُ فِعْلٍ.

وَالظَّاهِرُ مِنْ تَنْكِيرِ الْأَجَلَيْنِ أَنَّهُ تَعَالَى أبهم أمرهما.

وقال الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَخَصِيفٌ وَقَتَادَةُ: الْأَوَّلُ أَجَلُ الدُّنْيَا مِنْ وَقْتِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَوْتِ، وَالثَّانِي أَجَلُ الْآخِرَةِ لِأَنَّ الْحَيَاةَ فِي الْآخِرَةِ لَا انْقِضَاءَ لَهَا، وَلَا يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ الْحَالِ فِي هَذَا الْأَجَلِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ وَفَاتُهُ بِالنَّوْمِ وَالثَّانِي بِالْمَوْتِ.

وَقَالَ أَيْضًا: الْأَوَّلُ أَجَلُ الدُّنْيَا وَالثَّانِي الْآخِرَةُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: الْأَوَّلُ الْآخِرَةُ. وَالثَّانِي الدُّنْيَا.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْأَوَّلُ هُوَ فِي وَقْتِ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى بَنِي آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، وَالْمُسَمَّى فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.

وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: الْأَوَّلُ أَجَلُ الْمَاضِينَ، وَالثَّانِي أَجَلُ الْبَاقِينَ، وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ مُسَمًّى عِنْدَهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى مُخْتَصٌّ بِهِ بِخِلَافِ الْمَاضِينَ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا مَاتُوا عُلِمَتْ آجَالُهُمْ.

وَقِيلَ: الْأَوَّلُ مَا بَيْنَ أَنْ يُخْلَقَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ، وَالثَّانِي مَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْبَعْثِ، وَهُوَ الْبَرْزَخُ.

وَقِيلَ: الْأَوَّلُ مِقْدَارُ مَا انْقَضَى مِنْ عُمْرِ كُلِّ إِنْسَانٍ، وَالثَّانِي مِقْدَارُ مَا بَقِيَ.

وَقِيلَ: الْأَوَّلُ أَجَلُ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَالثَّانِي أَجَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ.

وَقِيلَ: الْأَوَّلُ مَا عَلِمْنَاهُ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالثَّانِي مِنَ الْآخِرَةِ.

وَقِيلَ: الْأَوَّلُ مَا عَرَفَ النَّاسُ مِنْ آجَالِ الْأَهِلَّةِ وَالسِّنِينَ وَالْكَوَائِنِ، وَالثَّانِي قِيَامُ السَّاعَةِ.

وَقِيلَ: الْأَوَّلُ مِنْ أَوْقَاتِ الْأَهِلَّةِ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَالثَّانِي مَوْتُ الْإِنْسَانِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا قَضى أَجَلًا بِانْقِضَاءِ الدُّنْيَا وَالثَّانِي لِابْتِدَاءِ الْآخِرَةِ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ أَحَدٍ أَجَلَانِ، فَإِنْ كَانَ تَقِيًّا وَصُوَلًا لِلرَّحِمِ زِيدَ لَهُ مِنْ أَجَلِ الْبَعْثِ فِي أَجَلِ الْعُمْرِ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ نُقِصَ مِنْ أَجَلِ الْعُمْرِ وَزِيدَ فِي أَجَلِ الْبَعْثِ.

وَمَعْنَى (مُسَمًّى عِنْدَهُ) مَعْلُومٌ عِنْدَهُ أَوْ مَذْكُورٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَ (عِنْدَهُ) مَجَازٌ عَنْ عِلْمِهِ وَلَا يُرَادُ بِهِ الْمَكَانُ.

و (تَمْتَرُونَ) مَعْنَاهُ تَشُكُّونَ أَوْ تُجَادِلُونَ جِدَالَ الشَّاكِّينَ، وَالتَّمَّارِي الْمُجَادَلَةُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّكِّ قَالَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ.

وَالْكَلَامُ فِي (ثُمَّ) هُنَا كَالْكَلَامِ فِيهَا فِي قَوْلِهِ (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ قَوْلِهِ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ) عَلَى جِهَةِ الْخِطَابِ، هُوَ الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَائِبِ الَّذِي هُوَ قَوْلِهِ (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) وَإِنْ كَانَ الْخَلْقُ وَقَضَاءُ الْأَجَلِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْكُفَّارِ إِذِ اشْتَرَكَ فِيهِ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، لَكِنَّهُ قُصِدَ بِهِ الْكَافِرُ تَنْبِيهًا لَهُ عَلَى أَصْلِ خَلْقِهِ وَقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَقُدْرَتِهِ، وَإِنَّمَا قُلْتُ إنَّهُ مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ لِأَنَّ قَوْلَهُ (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْدَرِجَ فِي هَذَا الْخِطَابِ مَنِ اصْطَفَاهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ وَالْإِيمَانِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت