فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 4059

{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24)}

وَلَمَّا كَانَ أَمْرُهُ تَعَالَى إِيَّاهُمْ بِالْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ أَمْرَ تَهَكُّمٍ وَتَعْجِيزٍ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ قَادِرِينَ عَلَى ذَلِكَ، انْتَقَلَ إِلَى إِرْشَادِهِمْ، إِذْ لَيْسُوا بِقَادِرِينَ عَلَى الْمُعَارَضَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِاتِّقَاءِ النَّارِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِمَنْ كَذَّبَ، وَأَتَى بِإِنْ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَوَاضِعِ إِذَا تَهَكُّمًا بِهِمْ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: إِنْ غَلَبْتُكَ لَمْ أُبْقِ عَلَيْكَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَالِبٌ، أَوْ أَتَى بِإِنْ عَلَى حَسَبِ ظَنِّهِمْ، وَإِنَّ الْمُعْجِزَ مِنْهُمْ كَانَ قَبْلَ التَّأَمُّلِ، كَالْمَشْكُوكِ فِيهِ عِنْدَهُمْ لِاتِّكَالِهِمْ عَلَى فَصَاحَتِهِمْ.

وَمَعْنَى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَإِنْ لَمْ تَأْتُوا، وَعَبَّرَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ يَجْرِي مَجْرَى الْكِنَايَةِ، فَيُعَبَّرُ بِهِ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ، وَيُغْنِيكَ عَنْ طُولِ مَا تَكَنَّى عَنْهُ.

وَفِي قَوْلِهِ: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) إِثَارَةٌ لِهِمَمِهِمْ لِيَكُونَ عَجْزُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَبْلَغُ وَأَبْدَعُ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلَانِ عَلَى إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ.

أَحَدُهُمَا: صِحَّةُ كَوْنِ الْمُتَحَدَّى بِهِ مُعْجِزًا، الثَّانِي: الْإِخْبَارُ بِالْغَيْبِ مِنْ أَنَّهُمْ لا لَنْ يَفْعَلُوا، وَهَذَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَوْ عَارَضُوهُ لَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ خُصُوصًا مِنَ الطَّاعِنِينَ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يُنْقَلْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِخْبَارٌ بِالْغَيْبِ وَكَانَ ذَلِكَ مُعْجِزُهُ.

وَأَمَّا مَا أَتَى بِهِ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ فِي هَذْرِهِ، وَأَبُو الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي فِي عِبَرِهِ وَنَحْوُهُمَا، فَلَمْ يَقْصِدُوا بِهِ الْمُعَارَضَةَ، إِنَّمَا ادَّعَوْا أَنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ وَحْيٌ بِذَلِكَ، فَأَتَوْا مِنْ ذَلِكَ بِاللَّفْظِ الْغَثِّ، وَالْمَعْنَى السَّخِيفِ، وَاللُّغَةِ الْمُهْجَنَةِ، وَالْأُسْلُوبِ الرَّذْلِ، وَالْفِقْرَةِ غَيْرِ الْمُتَمَكِّنَةِ، وَالْمَطْلَعِ الْمُسْتَقْبَحِ، وَالْمَقْطَعِ الْمُسْتَوْهَنِ، بِحَيْثُ لَوْ قُرِنَ ذَلِكَ بكلامهم في غير مَا ادَّعَوْا أَنَّهُ وَحْيٌ، كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ فِي الْفَصَاحَةِ وَالتَّبَايُنِ فِي الْبَلَاغَةِ مَا لَا يَخْفَى عَمَّنْ لَهُ يَسِيرُ تَمْيِيزٍ فِي ذَلِكَ. فَكَيْفَ الْجَهَابِذَةُ النُّقَّادُ وَالْبُلَغَاءُ الْفُصَحَاءُ، فَسَلَبَهُمُ اللَّهُ فَصَاحَتَهُمْ بِادِّعَائِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ.

(فَاتَّقُوا النَّارَ)

جَوَابٌ لِلشَّرْطِ، وَكَنَّى بِهِ عَنْ تَرْكِ العناد، لأن من عائد بَعْدَ وُضُوحِ الْحَقِّ لَهُ اسْتَوْجَبَ الْعِقَابَ بِالنَّارِ. وَاتِّقَاءُ النَّارِ مِنْ نَتَائِجِ تَرْكِ الْعِنَادِ وَمِنْ لَوَازِمِهِ. وَعَرَّفَ النَّارَ هُنَا لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا نَكِرَةً فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ، وَالَّتِي فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وَهَذِهِ بِالْمَدِينَةِ. وَإِذَا كُرِّرَتِ النَّكِرَةُ سَابِقَةً ذُكِرَتْ ثَانِيَةً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَصَارَتْ مَعْرِفَةً لِتَقَدُّمِهَا فِي الذِّكْرِ وَوُصِفَتْ بِالَّتِي وَصِلَتِهَا. وَالصِّلَةُ مَعْلُومَةٌ لِلسَّامِعِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ قَوْلِهِ: (نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) ، أَوْ لِسَمَاعِ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ.

وَقَدَّمَ النَّاسَ عَلَى الْحِجَارَةِ لِأَنَّهُمُ الْعُقَلَاءُ الَّذِينَ يُدْرِكُونَ الْآلَامَ وَالْمُعَذَّبُونَ، أَوْ لِكَوْنِهِمْ أَكْثَرَ إِيقَادًا لِلنَّارِ مِنَ الْجَمَادِ لِمَا فِيهِمْ مِنَ الْجُلُودِ وَاللُّحُومِ وَالشُّحُومِ وَالْعِظَامِ وَالشُّعُورِ، أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ فِي التَّخْوِيفِ. فَإِنَّكَ إِذَا رَأَيْتَ إِنْسَانًا يُحْرَقُ، اقْشَعَرَّ بَدَنُكَ وَطَاشَ لُبُكَّ، بِخِلَافِ الْحَجَرِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (أُعِدَّتْ) رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ النَّارَ لَمْ تُخْلَقْ حَتَّى الْآنَ، وَهُوَ الْقَوْلُ الَّذِي سَقَطَ فِيهِ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، انْتَهَى كَلَامُهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت