فهرس الكتاب

الصفحة 3316 من 4059

{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) }

تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى (انْسَلَخَ) فِي قَوْلِهِ: (فَانْسَلَخَ) .

وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ: يُقَالُ أَهْلَلْنَا هِلَالَ شَهْرِ كَذَا أَيْ دَخَلْنَا فِيهِ وَلَبِسْنَاهُ، فَنَحْنُ نَزْدَادُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى مُضِيِّ نِصْفِهِ لِبَاسًا مِنْهُ، ثُمَّ نَسْلَخُهُ عَنْ أَنْفُسِنَا بَعْدَ تَكَامُلِ النِّصْفِ مِنْهُ جزءا فجزءا حَتَّى نَسْلَخَهُ عَنْ أَنْفُسِنَا كُلَّهُ، فَيَنْسَلِخُ. وَأَنْشَدَ:

إِذَا مَا سَلَخْتَ الشَّهْرَ أَهْلَلْتَ مِثْلَهُ ... كَفَى قَاتِلًا سَلْخُ الشُّهُورِ وَإِهْلَالُ

وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْهُرَ هِيَ الَّتِي أُبِيحَ لِلنَّاكِثِينَ أَنْ يَسِيحُوا فِيهَا، وَوُصِفَتْ بِالْحُرُمِ لِأَنَّهَا مُحَرَّمٌ فِيهَا الْقِتَالُ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي ابْتِدَائِهَا وَانْتِهَائِهَا.

وَإِذَا تَقَدَّمَتِ النَّكِرَةُ وَذُكِرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ أَنْ تُذْكَرَ بِالضَّمِيرِ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُهُ.

وَيَجُوزُ أَنْ يعاد اللفظ معرّفا بل نحو: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِوَصْفٍ يُشْعِرُ بِالْمُغَايَرَةِ لَوْ قُلْتُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ الْأَزْرَقَ، وَأَنْتَ تُرِيدُ الرَّجُلَ الَّذِي لَقِيتَهُ، لَمْ يَجُزْ بَلْ يَنْصَرِفُ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ، وَيَكُونُ الْمَضْرُوبُ غَيْرَ الْمُلْقَى. فَإِنْ وَصَفْتَهُ بِوَصْفٍ لَا يُشْعِرُ بِالْمُغَايَرَةِ جَازَ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ.

وَهُنَا جَاءَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ، لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) إِذِ التَّقْدِيرُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حُرُمٌ لَا يُتَعَرَّضُ إِلَيْكُمْ فِيهَا، فَلَيْسَ الْحُرُمُ وَصْفًا مُشْعِرًا بِالْمُغَايَرَةِ.

وَقِيلَ: الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ هِيَ غَيْرُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، وَهِيَ الْأَشْهُرُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيهَا الْقِتَالَ مُنْذُ خلق السماوات وَالْأَرْضَ، وَهِيَ الَّتِي جَاءَ

فِي الْحَدِيثِ فِيهَا «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يوم خلق الله السماوات وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرَا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ»

فَتَكُونُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ سَنَتَيْنِ.

وَقِيلَ: أَوَّلُهَا الْمُحَرَّمُ، فَتَكُونُ مِنْ سَنَةٍ.

وَجَاءَ الْأَمْرُ بِالْقَتْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْجِيعِ وَتَقْوِيَةِ النَّفْسِ، وَأَنَّهُمْ لَا مَنَعَةَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنْ يُقْتَلُوا.

وَفِي إِطْلَاقِ الْأَمْرِ بِالْقَتْلِ دَلِيلٌ عَلَى قَتْلِهِمْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَقَدْ قَتَلَ أَبُو بَكْرٍ أَصْحَابَ الرِّدَّةِ بِالْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ، وَبِالْحِجَارَةِ، وَبِالرَّمْيِ مِنْ رءوس الْجِبَالِ، وَالتَّنْكِيسِ فِي الْآبَارِ. وَتَعَلَّقَ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَأَحْرَقَ عَلِيٌّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ.

وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالنَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ.

وَلَفْظُ (الْمُشْرِكِينَ) عَامٌّ فِي كُلِّ مُشْرِكٍ، وَجَاءَتِ السُّنَّةُ بِاسْتِثْنَاءِ الْأَطْفَالِ وَالرُّهْبَانِ وَالشُّيُوخِ الَّذِينَ لَيْسُوا ذَوِي رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ، وَمَنْ قَاتَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ قُتِلَ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي الَّذِينَ نَقَصُوكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَيْكُمْ.

وَلَفْظُ: «حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» عَامٌّ فِي الْأَمَاكِنِ مِنْ حِلٍّ وَحَرَمٍ.

«وَخُذُوهُمْ» عِبَارَةٌ عَنِ الْأَسْرِ، وَالْأَخِيذُ الْأَسِيرُ. وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَسْرِهِمْ: وَاحْصُرُوهُمْ، قَيِّدُوهُمْ وَامْنَعُوهُمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْبِلَادِ وَقِيلَ: اسْتَرِقُّوهُمْ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ حَاصِرُوهُمْ إِنْ تَحَصَّنُوا.

وقرئ: (فَحَاصِرُوهُمْ) شَاذًّا، وَهَذَا الْقَوْلُ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَعَنْهُ أَيْضًا: حُولُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

وَقِيلَ: امْنَعُوهُمْ عَنْ دُخُولِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا إِلَّا بِإِذْنٍ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي قَوْلِهِ: «وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ» دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ اغْتِيَالِهِمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى اقْعُدُوا لَهُمْ مَوَاضِعَ الْغِرَّةِ، وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ إِيصَالُ الْأَذَى إِلَيْهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ، إِمَّا بِطْرِيقِ الْقِتَالِ، وَإِمَّا بِطَرِيقِ الِاغْتِيَالِ.

وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ السَّرِقَةِ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَإِسْلَالِ خَيْلِهِمْ، وَإِتْلَافِ مَوَاشِيهِمْ إِذَا عُجِزَ عَنِ الْخُرُوجِ بِهَا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنْ يُصَالِحُوا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «كُلَّ مَرْصَدٍ» كُلَّ مَمَرٍّ وَمُجْتَازٍ تَرْصُدُونَهُمْ فِيهِ.

(فَإِنْ تابُوا)

أَيْ عَنِ الْكُفْرِ وَالْغَدْرِ. وَالتَّوْبَةُ تَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ وَتَرْكَ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْمَعَاصِي، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَعْظَمِ الشَّعَائِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَذَلِكَ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ وَهِيَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَهِيَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْمَالِيَّةِ، وَبِهِمَا تَظْهَرُ الْقُوَّةُ الْعَمَلِيَّةُ، كَمَا بِالتَّوْبَةِ تَظْهَرُ الْقُوَّةُ الْعِلْمِيَّةُ عَنِ الْجَهْلِ.

(فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ)

كِنَايَةٌ عَنِ الْكَفِّ عَنْهُمْ وَإِجْرَائِهِمْ مَجْرَى الْمُسْلِمِينَ فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ حَيْثُ مَا شاءُوا، وَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهُمْ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

خَلِّ السَّبِيلَ لِمَنْ يُبْنَى الْمَنَارُ بِهِ أَوْ يَكُونُ الْمَعْنَى: فَأَطْلِقُوهُمْ مِنَ الْأَسْرِ وَالْحَصْرِ.

وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، لِشُمُولِ الْحُكْمِ لِمَنْ كَانَ مَأْسُورًا وَغَيْرِهِ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: افْتُرِضَتِ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ جَمِيعًا، وَأَبَى اللَّهُ أَنْ لَا تُقْبَلَ الصَّلَاةُ إِلَّا بِالزَّكَاةِ، وَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ مَا كَانَ أَفْقَهَهُ فِي قَوْلِهِ: «لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ»

وَنَاسَبَ ذِكْرُ وَصْفِ الْغُفْرَانِ وَالرَّحْمَةِ مِنْهُ تَعَالَى لِمَنْ تَابَ عَنِ الْكُفْرِ وَالْتَزَمَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ.

قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَسَائِرَ الْفَرَائِضِ مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ الْكُفَّارِ، وَكَانَ مَالُهُ فَيْئًا. وَمَنْ تَرَكَ السُّنَنَ فَسَقَ، وَمَنْ تَرَكَ النَّوَافِلَ لَمْ يُحْرَجْ إِلَّا أَنْ يَجْحَدَ فَضْلَهَا فَيَكْفُرُ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ رَادًّا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَاءَ بِهِ وَأَخْبَرَ عَنْهُ انْتَهَى.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ لَا يَنْتَهِضُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى تَعْيِينِ قَتْلِ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ مُتَعَمِّدًا غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ وَمَعَ الْقُدْرَةِ لِأَنَّ انْتِفَاءَ تَخْلِيَةِ السَّبِيلِ تَكُونُ بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ الْقَتْلُ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَكْحُولٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَوَكِيعٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ: يُقْتَلُ.

وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَدَاوُدُ: يُسْجَنُ وَيُضْرَبُ، وَلَا يُقْتَلُ.

وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: يُقْتَلُ كُفْرًا، وَمَالُهُ مَالُ مُرْتَدٍّ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ.

قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَذَلِكَ كَانَ رَأْيُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ لَدُنِ النبي صلى الله عليه وَسَلَّمَ إِلَى زَمَانِنَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت