{قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) }
(بِبَيِّنَةٍ) أَوْ بِحُجَّةٍ وَاضِحَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِكَ، وَقَدْ كَذَبُوا فِي ذَلِكَ وَبَهَتُوهُ كَمَا كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ فِي قَوْلِهِمْ: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) وَقَدْ جَاءَهُمْ بِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ، أَوْ لِعَمَائِهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَعَدَمِ نَظَرِهِمْ فِي الْآيَاتِ اعْتَقَدُوا مَا هُوَ آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ فَقَالُوا: (مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) تُلْجِئُنَا إِلَى الْإِيمَانِ، وَإِلَّا فَهُودٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَهُمْ مُعْجِزَاتٌ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنَا بَعْضَهَا.
أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عليه البشر»
و (عن) فِي (عَنْ قَوْلِكَ) حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي (تاركي آلِهَتِنَا) كَأَنَّهُ قِيلَ: صَادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ. قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَقِيلَ: (عَنْ) لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ) فَتَتَعَلَّقُ بِتَارِكِي، كَأَنَّهُ قِيلَ لِقَوْلِكَ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى التَّعْلِيلِ وَالسَّبَبِ فِيهَا ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقَالَ: أَيْ لَا يَكُونُ قَوْلُكُ سَبَبًا لَتَرْكِنَا، إِذْ هُوَ مُجَرَّدٌ عَنْ آيَةٍ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهَا تَأْكِيدٌ وَتَقْنِيطٌ لَهُ مِنْ دُخُولِهِمْ فِي دِينِهِ، ثُمَّ نَسَبُوا مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ دُعَائِهِمْ إِلَى اللَّهِ وَإِفْرَادِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ إِلَى الْخَبَلِ وَالْجُنُونِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا اعْتَرَاهُ بِهِ بَعْضُ آلِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ سَبَّهَا وَحَرَّضَ عَلَى تَرْكِهَا وَدَعَا إِلَى تَرْكِ عِبَادَتِهَا، فَجَعَلَتْهُ يَتَكَلَّمُ مُكَافَأَةً بِمَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الْمَجَانِينُ، كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ: (مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ)
و (اعتراك) جملة محكية بـ (نقول) فَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ، وَدَلَّتْ عَلَى بَلَهٍ شَدِيدٍ وَجَهْلٍ مُفْرِطٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا فِي حِجَارَةٍ أَنَّهَا تَنْتَصِرُ وَتَنْتَقِمُ.
وَقَوْلُ هُودٍ لَهُمْ فِي جَوَابِ ذَلِكَ: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ) إِلَى آخِرِهِ، حَيْثُ تَبَرَّأَ مِنْ آلِهَتِهِمْ، وَحَرَّضَهُمْ كُلَّهُمْ مَعَ انْفِرَادِهِ وَحْدَهُ عَلَى كَيْدِهِ بِمَا يشاءُون، وَعَدَمُ تَأَخُّرِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ عَلَى صِدْقِهِ وَثِقَتِهِ بِمَوْعُودِ رَبِّهِ مِنَ النَّصْرِ لَهُ، وَالتَّأْيِيدِ وَالْعِصْمَةِ مِنْ أَنْ يَنَالُوهُ بِمَكْرُوهٍ، هَذَا وَهْمُ حَرِيصُونَ عَلَى قَتْلِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ) وَأَكَّدَ بَرَاءَتَهُ مِنْ آلهتهم وشركهم، ووقفها بِمَا جَرَتْ عَلَيْهِ عَادَةُ النَّاسِ مِنْ تَوْثِيقِهِمُ الْأَمْرَ بِشَهَادَةِ اللَّهِ وَشَهَادَةِ الْعِبَادِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا قِيلَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَأُشْهِدُكُمْ؟
(قُلْتُ) لِأَنَّ إِشْهَادَ اللَّهِ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إِشْهَادٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ فِي مَعْنَى تَثْبِيتِ التَّوْحِيدِ، وَأَمَّا إِشْهَادُهُمْ فَمَا هُوَ إِلَّا تَهَاوُنٌ بِدِينِهِمْ وَدِلَالَةٌ عَلَى قِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِهِمْ فَحَسْبُ، فَعُدِلَ بِهِ عَنْ لَفْظِ الْأَوَّلِ لِاخْتِلَافِ مَا بَيْنَهُمَا، وَجِيءَ بِهِ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ بِالشَّهَادَةِ انتهى.
و (إني بَرِيءٌ) تَنَازَعَ فِيهِ (أُشْهِدُ واشهدوا) وَقَدْ يَتَنَازَعُ الْمُخْتَلِفَانِ فِي التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صَالِحًا لِأَنْ يَعْمَلَا فِيهِ تَقُولُ: أَعْطَيْتُ زَيْدًا وَوَهَبْتُ لعمر ودينارا، كَمَا يَتَنَازَعُ اللَّازِمُ وَالْمُتَعَدِّي نَحْوَ: قَامَ وَضَرَبْتُ زَيْدًا.
و (ما) فِي (مَّا تُشْرِكُونَ) مَوْصُولَةٌ، إِمَّا مَصْدَرِيَّةٌ، وَإِمَّا بِمَعْنَى الَّذِي أَيْ: بَرِيءٌ مِنْ إِشْرَاكِكُمْ آلِهَةً مِنْ دُونِهِ، أَوْ مِنَ الَّذِينَ تُشْرِكُونَ، و (جميعا) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ كِيدُونِي الْفَاعِلِ.
وَالْخِطَابُ إِنَّمَا هُوَ لِقَوْمِهِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَنْتُمْ وَآلِهَتُكُمْ انْتَهَى.
قِيلَ: وَمُجَاهَرَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُمْ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ أَدْيَانِهِمْ، وَحَضُّهُ إِيَّاهُمْ عَلَى كَيْدِهِ هُمْ وَأَصْنَامُهُمْ مُعْجِزَةٌ لِهُودٍ، أَوْ حَرَّضَ جَمَاعَتَهُمْ عَلَيْهِ مَعَ انْفِرَادِهِ وَقُوَّتِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى نَيْلِهِ بِسُوءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَوَكُّلَهُ عَلَى اللَّهِ مُعْلِمًا أَنَّهُ رَبُّهُ وَرَبُّهُمْ، وَمُنَبِّهًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ رَبُّكُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَمُفَوِّضًا أَمْرَهُ إِلَيْهِ تَعَالَى ثِقَةً بِحِفْظِهِ وَإنِجَازِ مَوْعُودِهِ.