فهرس الكتاب

الصفحة 1883 من 4059

{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169)}

قِيلَ: هُمْ قَتْلَى أُحُدٍ.

وَقِيلَ: شُهَدَاءُ بِئْرِ مَعُونَةَ.

وَقِيلَ: شُهَدَاءُ بَدْرٍ.

وَهَلْ سَبَبُ ذَلِكَ قَوْلُ مَنِ اسْتُشْهِدَ وَقَدْ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَأَكَلَ مِنْ ثِمَارِهَا: مَنْ يُبَلِّغُ عَنَّا إِخْوَانَنَا أَنَّا فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ، لَا تَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ. فَقَالَ اللَّهُ: أَنَّا أُبَلِّغُ عَنْكُمْ، فَنَزَلَتْ.

أَوْ قَوْلُ مَنْ لَمْ يَسْتَشْهِدْ مِنْ أَوْلِيَاءِ الشُّهَدَاءِ: إِذَا أَصَابَتْهُمْ نِعْمَةٌ نَحْنُ فِي النِّعْمَةِ وَالسُّرُورِ، وَآبَاؤُنَا وَأَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا فِي الْقُبُورِ، فَنَزَلَتْ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَلَا تَحْسَبَنَّ بِالتَّاءِ، أَيْ وَلَا تَحْسَبَنَّ أَيُّهَا السَّامِعُ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ لِكُلِّ أَحَدٍ.

وَقَرَأَ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ وَهِشَامٌ بِخِلَافٍ عَنْهُ بِالْيَاءِ، أَيْ:

وَلَا يَحْسَبَنَّ هُوَ، أَيْ: حَاسِبٌ وَاحِدٌ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَأَرَى هَذِهِ الْقِرَاءَةَ بِضَمِّ الْيَاءِ، فَالْمَعْنَى: وَلَا يُحْسَبَنَّ النَّاسُ انْتَهَى.

(بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الشُّهَدَاءِ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ يُرْزَقُونَ، هَذَا مَوْضِعُ الْفَائِدَةِ.

وَلَا مَحَالَةَ أَنَّهُمْ مَاتُوا، وَأَنَّ أَجْسَادَهُمْ فِي التُّرَابِ، وَأَرْوَاحَهُمْ حَيَّةٌ كَأَرْوَاحِ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ.

وَفُضِّلُوا بِالرِّزْقِ فِي الْجَنَّةِ مِنْ وَقْتِ الْقَتْلِ، حَتَّى كَأَنَّ حَيَاةَ الدُّنْيَا دَائِمَةٌ لَهُمْ. فَقَوْلُهُ: (بَلْ أَحْيَاءٌ) مُقَدِّمَةٌ لِقَوْلِهِ: (يُرْزَقُونَ) إِذْ لَا يُرْزَقُ إِلَّا حَيٌّ.

وَهَذَا كَمَا يَقُولُ لِمَنْ ذَمَّ رَجُلًا. بَلْ هُوَ رَجُلٌ فَاضِلٌ، فَتَجِيءُ بِاسْمِ الْجِنْسِ الَّذِي تَرَكَّبَ عَلَيْهِ الْوَصْفُ بِالْفَضْلِ انْتَهَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.

وَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ لَفْظَةَ أَحْيَاءٍ جِيءَ بِهَا مُجْتَلَبَةً لِذِكْرِ الرِّزْقِ، لِكَوْنِ الْحَيَاةِ مُشْتَرِكًا فِيهَا الشَّهِيدُ وَالْمُؤْمِنُونَ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْإِخْبَارُ بِحَيَاةِ الشُّهَدَاءِ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِخْبَارِ بِأَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْعُمُومِ حَيَّةٌ فاستفيد، أولا حَيَاةُ أَرْوَاحِ الشُّهَدَاءِ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ الْإِخْبَارِ بِحَيَاةِ أَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَيْضًا فَفِي ذِكْرِهِ النَّصُّ عَلَى نَقِيضِ مَا حَسِبُوهُ وَهُوَ: كَوْنُ الشُّهَدَاءِ أَمْوَاتًا. وَالْبُعْدُ عَنْ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ: (يُرْزَقُونَ) مَا يَحْتَمِلُهُ الْمُضَارِعُ مِنَ الِاسْتِقْبَالِ. فَإِذَا سَبَقَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الِالْتِبَاسِ بِالْوَصْفِ حَالَةَ الْإِخْبَارِ كَانَ حُكْمُ مَا بَعْدَهُ حُكْمُهُ، إِذِ الْأَصْلُ فِي الْإِخْبَارِ أَنْ يَكُونَ مَنْ أُسْنِدَتْ إِلَيْهِ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ فِي الْحَالِ، إِلَّا إِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى مُضِيٍّ أَوِ اسْتِقْبَالٍ مِنْ لَفْظٍ أَوْ مَعْنًى، فَيُصَارُ إِلَيْهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت