فهرس الكتاب

الصفحة 2944 من 4059

{فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) }

(فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ)

أَيِ اسْتَنْزَلَهُمَا إِلَى الْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ بِغُرُورِهِ أَيْ بِخِدَاعِهِ إِيَّاهُمَا وَإِظْهَارِ النُّصْحِ وَإِبِطَانِ الْغِشِّ وَإِطْمَاعِهِمَا أَنْ يَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ خَالِدَيْنِ وَبِإِقْسَامِهِ أَنَّهُ نَاصِحٌ لَهُمَا جَعَلَ مَنْ يَغْتَرُّ بِالْكَلَامِ حَتَّى يُصَدِّقَ فَيَقَعُ فِي مُصِيبَةٍ بِالَّذِي يُدْلِي مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ بِحَبْلٍ ضَعِيفٍ فَيَنْقَطِعُ بِهِ فَيَهْلِكُ.

وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ أصلان أحدهما أَنَّ الرَّجُلَ يُدْلِي دَلْوَهُ فِي الْبِئْرِ لِيَأْخُذَ الْمَاءَ فَلَا يَجِدُ فِيهَا مَاءً، وُضِعَتِ التَّدْلِيَةُ مَوْضِعَ الطَّمَعِ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَيُقَالُ: دَلَّاهُ أَيْ أَطْمَعَهُ.

الثَّانِي جَرَّأَهُمَا عَلَى أَكْلِ الشَّجَرَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ دَلَلْهُمَا مِنَ الدَّالِّ وَالدَّلَالَةِ وَهُمَا الْجَرَاءَةُ انْتَهَى.

فَأُبْدِلَ مِنَ الْمُضَاعَفِ الْأَخِيرِ حَرْفُ عِلَّةٍ، كَمَا قَالُوا: تَظَنَّيْتُ وَأَصْلُهُ تَظَنَّنْتُ.

وَمِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: خَدَعَ الشَّيْطَانُ آدَمَ فَانْخَدَعَ وَنَحْنُ مَنْ خَدَعَنَا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ انْخَدَعْنَا لَهُ.

(فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما)

أَيْ وَجَدَا طَعْمَهَا آكِلِينَ مِنْهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى فَأَكَلا مِنْها وَتَطَايَرَتْ عَنْهُمَا مَلَابِسُ الْجَنَّةِ فَظَهَرَتْ لَهُمَا عَوْرَاتُهُمَا وَتَقَدَّمَ أَنَّهُمَا كَانَا قَبْلَ ذَلِكَ

لَا يَرَيَانِهَا مِنْ أَنْفُسِهِمَا وَلَا أَحَدَهُمَا مِنَ الْآخَرِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ عَلَيْهِمَا ظُفُرٌ كَاسٍ فَلَمَّا أَكَلَا تبلس عنهما فبدت سوآتهما وَبَقِيَ مِنْهُ عَلَى الْأَصَابِعِ قَدْرُ مَا يَتَذَكَّرَانِ بِهِ الْمُخَالَفَةَ فَيُجَدِّدَانِ النَّدَمَ.

وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ عَلَيْهِمَا نُورٌ يَسْتُرُ عَوْرَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَانْقَشَعَ بِالْأَكْلِ ذَلِكَ النُّورُ وَقِيلَ كَانَ عَلَيْهِمَا نُورٌ فَنَقَصَ وَتَجَسَّدَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي أَظْفَارِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ تَذْكِرَةً لَهُمَا لِيَسْتَغْفِرُوا فِي كُلِّ وقت وأبناؤهما بعد هما كَمَا جَرَى لِأُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ حِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ الْبَرَصَ إِلَّا لُمْعَةً أَبْقَاهَا لِيَتَذَكَّرَ نِعَمَهُ فَيَشْكُرَ.

وَقَالَ قوم: لم يقصد بالسوأة الْعَوْرَةَ وَالْمَعْنَى انْكَشَفَ لَهُمَا معايشهما وما يسؤوهما وَهَذَا الْقَوْلُ يَنْبُو عَنْهُ دَلَالَةُ اللَّفْظِ وَيُخَالِفُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ.

وَقِيلَ: أَكَلَتْ حَوَّاءُ أوّل فَلَمْ يُصِبْهَا شَيْءٌ ثُمَّ آدَمُ فَكَانَ الْبُدُوُّ.

(وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ)

أَيْ جَعَلَا يُلْصِقَانِ وَرَقَةً عَلَى وَرَقَةٍ وَيُلْصِقَانِهِمَا بعد ما كَانَتْ كِسَاهُمَا حُلَلُ الْجَنَّةِ ظَلَّا يَسْتَتِرَانِ بِالْوَرَقِ كَمَا قِيلَ:

لِلَّهِ دَرِّهِمْ مِنْ فِتْيَةٍ بَكَّرُوا ... مِثْلَ الْمُلُوكِ وَرَاحُوا كَالْمَسَاكِينِ

وَالْأَوْلَى أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي (عَلَيْهِما) عَلَى عَوْرَتَيْهِمَا كَأَنَّهُ قِيلَ يَخْصِفانِ على سوآتهما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، وَعَادَ بِضَمِيرِ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّ الْجَمْعَ يُرَادُ بِهِ اثْنَانِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى فِعْلُ الظَّاهِرِ وَالْمُضْمَرِ الْمُتَّصِلِ إِلَى الْمُضْمَرِ الْمُتَّصِلِ الْمَنْصُوبِ لَفْظًا أَوْ مَحَلًّا فِي غَيْرِ بَابِ ظَنَّ وَفَقَدَ وَعَلِمَ وَوَجَدَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْوَرَقُ الَّذِي خَصَفَا مِنْهُ وَرَقُ الزَّيْتُونِ.

وَقِيلَ: وَرَقُ شَجَرِ التِّينِ.

وَقِيلَ: وَرَقُ الْمَوْزِ. وَلَمْ يَثْبُتْ تَعْيِينُهَا لَا فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ.

وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ وَطَفِقا بِفَتْحِ الْفَاءِ.

(وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ)

لَمَّا كَانَ وَقْتُ الْهَنَاءِ شُرِّفَ بِالتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ فِي النِّدَاءِ فَقِيلَ (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ) وَحِينَ كَانَ وَقْتُ الْعِتَابِ أَخْبَرَ أَنَّهُ نَادَاهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَعَالَى كَلَّمَهُمَا بِلَا وَاسِطَةٍ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ آدَمَ مَا فِي تَارِيخِ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سُئِلَ عَنْ آدَمَ فَقَالَ: نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ

وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّ النِّدَاءَ كَانَ بِوَاسِطَةِ الْوَحْيِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الَّذِي خُصَّ مِنْ بَيْنِ الْعَالَمِ بِالْكَلَامِ وَفِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ الَّذِي خَصَّكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ خَصَّهُ بِكَلَامِهِ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ وَأَمَّا آدَمُ فَكَانَ ذَلِكَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا فِي قَوْلِهِ (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ) إِنَّ مِنْهُمْ مُحَمَّدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ فِي الْأَرْضِ فَيَكُونُ مُوسَى مُخْتَصًّا بِكَلَامِهِ فِي الْأَرْضِ.

وَقِيلَ: النِّدَاءُ لِآدَمَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَمْ يُرْوَ قَطُّ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ حَوَّاءَ وَالنِّدَاءُ هُوَ دُعَاءُ الشَّخْصِ بِاسْمِهِ الْعَلَمِ أَوْ بِنَوْعِهِ أَوْ بِوَصْفِهِ وَلَمْ يُصَرِّحْ هُنَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.

وَالْجُمْلَةُ مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ قَائِلًا: أَلَمْ أَنْهَكُمَا، وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الْعِتَابُ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُمَا.

وَالتَّنْبِيهُ عَلَى مَوْضِعِ الْغَفْلَةِ فِي قَوْلِهِ (تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ) (وَلَا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ) إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ حَيْثُ كَانَ مُبَاحًا لَهُ الْأَكْلُ قَارًّا سَاكِنًا أُشِيرَ إِلَى الشَّجَرَةِ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْقُرْبِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الْأَشْجَارِ فَقِيلَ: (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ) وَحَيْثُ كَانَ تَعَاطِي مُخَالَفَةِ النَّهْيِ وَقُرْبُ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَاضْطِرَابُ حَالِهِ فِيهَا وَفَرَّ عَلَى وَجْهِهِ فِيهَا قِيلَ: (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا) فَأُشِيرَ إِلَى الشَّجَرَةِ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْبُعْدِ وَالْإِنْذَارِ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا.

(وَأَقُلْ لَكُما) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَقُلْنا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) وَهَذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي نَسِيَهُ آدَمُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُحْمَلُ النِّسْيَانُ عَلَى بَابِهِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَيَّنَ الْعَدَاوَةَ حَيْثُ أَبَى السُّجُودَ وَقَالَ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ

رُوِيَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِآدَمَ: أَلَمْ يَكُنْ لَكَ فِيمَا مَنَحْتُكَ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ مَنْدُوحَةٌ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَقَالَ بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ يَحْلِفُ كَاذِبًا قال فوعزّتي لَأُهْبِطَنَّكَ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ لَا تَنَالُ إِلَّا كَدًّا فَأُهْبِطَ وَعُلِّمَ صَنْعَةَ الْحَدِيدِ وَأُمِرَ بِالْحَرْثِ فَحَرَثَ وَسَقَى وحصد ودرس وذر وَعَجَنَ وَخَبَزَ [1] .

وَقَرَأَ أُبَيٌّ أَلَمْ تُنْهَيَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَقِيلَ لَكُمَا.

[1] يفتقر إلى سند صحيح، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت