(فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا)
عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِئْصَالِهِمْ بِالْهَلَاكِ وَالْمَعْنَى: فَقُطِعَ دَابِرُهُمْ وَنَبَّهَ عَلَى سَبَبِ الِاسْتِئْصَالِ بِذِكْرِ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الظُّلْمُ، وَهُوَ هُنَا الْكُفْرُ وَالدَّابِرُ التَّابِعُ لِلشَّيْءِ مِنْ خَلْفِهِ يُقَالُ: دَبَرَ الْوَالِدَ الْوَلَدُ يَدْبُرُهُ، وَفُلَانٌ دَبَرَ الْقَوْمَ دُبُورًا وَدَبَرًا إِذَا كَانَ آخِرَهُمْ.
وَقَالَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:
فَاسْتُؤْصِلُوا بِعَذَابٍ خَصَّ دَابِرَهُمْ ... فَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ صَرْفًا وَلَا انْتَصَرُوا
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: دابِرُ الْقَوْمِ آخِرُهُمُ الَّذِي يَدْبُرُهُمْ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الدَّابِرُ الْأَصْلُ يُقَالُ: قَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُ أَيْ أَذْهَبَ أَصْلَهُ.
وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ فَقُطِعَ دابِرُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءِ وَالرَّاءِ أَيْ فَقَطَعَ اللَّهُ وَهُوَ الْتِفَاتٌ إِذْ فِيهِ الْخُرُوجُ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ إِلَى ضَمِيرِ الْغَائِبِ.
(وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِيذَانٌ بِوُجُوبِ الْحَمْدِ لِلَّهِ عِنْدَ هَلَاكِ الظَّلَمَةِ وَأَنَّهُ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ وَأَجْزَلِ الْقِسَمِ انْتَهَى.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَرْسَلَ الرُّسُلَ إِلَى هَؤُلَاءِ الْأُمَمِ كَذَّبُوهُمْ وَآذَوْهُمْ فَابْتَلَاهُمُ اللَّهُ تَارَةً بِالْبَلَاءِ، وَتَارَةً بِالرَّخَاءِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا فَأَهْلَكَهُمْ وَاسْتَرَاحَ الرُّسُلُ مِنْ شَرِّهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ وَصَارَ ذَلِكَ نِعْمَةً فِي حَقِّ الرُّسُلِ إِذْ أَنْجَزَ اللَّهُ وَعْدَهُ عَلَى لِسَانِهِمْ بِهَلَاكِ الْمُكَذِّبِينَ فَنَاسَبَ هَذَا الْفِعْلَ كُلَّهُ الختم بالحمدلة.