وَلَمَّا كَانَ الْمُنَافِقُ مُتَّصِفًا بِنَقَائِصِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ مِنَ الْكُفْرِ وَفَسَادِ الْأَعْمَالِ وَالْمُوَالَاةِ لِلْكَافِرِينَ وَالِاعْتِزَازِ بِهِمْ وَالْمُرَاءَاةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، شَرَطَ فِي تَوْبَتِهِمْ مَا يُنَاقِضُ تِلْكَ الْأَوْصَافَ وَهِيَ التَّوْبَةُ مِنَ النِّفَاقِ، وَهِيَ الْوَصْفُ الْمُحْتَوِي عَلَى بَقِيَّةِ الْأَوْصَافِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى.
ثُمَّ فَصَّلَ مَا أَجْمَلَ فِيهَا، وَهُوَ الْإِصْلَاحُ لِلْعَمَلِ الْمُسْتَأْنَفِ الْمُقَابِلِ لِفَسَادِ أَعْمَالِهِمُ الْمَاضِيَةِ، ثُمَّ الِاعْتِصَامُ بِاللَّهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ الْمُقَابِلُ لِمُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهِمْ فِي الْمَاضِي، ثُمَّ الْإِخْلَاصِ لِدِينِ اللَّهِ وَهُوَ الْمُقَابِلُ لِلرِّيَاءِ الَّذِي كَانَ لَهُمْ فِي الْمَاضِي، ثُمَّ بَعْدَ تَحْصِيلِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ جميعها
أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَا مِنَ المؤمنين، وإن كانوا قَدْ صَارُوا مُؤْمِنِينَ تَنْفِيرًا مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ عِظَمِ كُفْرِ النِّفَاقِ وَتَعْظِيمًا لِحَالِ مَنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ.
وَمَعْنَى: مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، رُفَقَاؤُهُمْ وَمُصَاحِبُوهُمْ فِي الدَّارَيْنِ.
(وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا)
أتى بسوف، لِأَنَّ إِيتَاءَ الْأَجْرِ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ زَمَانٌ مُسْتَقْبَلٌ لَيْسَ قَرِيبًا مِنَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ.
وَقَدْ قَالُوا: إِنَّ سَوْفَ أَبْلَغُ فِي التَّنْفِيسِ مِنَ السِّينِ، وَلَمْ يَعُدِ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ فَيُقَالُ: وَسَوْفَ يُؤْتِيهِمْ، بَلْ أَخْلَصَ ذَلِكَ الْأَجْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ رُفَقَاؤُهُمْ، فَيُشَارِكُونَهُمْ فِيهِ وَيُسَاهِمُونَهُمْ.
وَالْأَجْرُ الْعَظِيمُ هُوَ الْخُلُودُ فِي الْجَنَّةِ.