هَذِهِ الْآيَةُ وَمَا بَعْدَهَا عَتْبٌ شَدِيدٌ لِمَنْ وَقَعَتْ مِنْهُمُ الْهَفَوَاتُ يَوْمَ أُحُدٍ. وَاسْتَفْهَمَ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ أَنْ يَظُنَّ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ مُخِلٌّ بِمَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِهَادِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ.
وَالْمُرَادُ بِنَفْيِ الْعِلْمِ انْتِفَاءُ مُتَعَلّقِهِ، لِأَنَّهُ مُنْتَفٍ بِانْتِفَائِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ الْمَعْنَى: لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ خَيْرٌ، لِأَنَّ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى مَوْجُودًا لَا يَكُونُ مَوَجُودًا أبدا.
وأم هُنَا مُنْقَطِعَةٌ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ، وَالْهَمْزَةُ عَلَى مَا قُرِّرَ فِي النَّحْوِ.
وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى الْهَمْزَةِ.
وَقِيلَ: أَمْ مُتَّصِلَةٌ.
وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ: (أَمْ حَسِبْتُمْ) نَهْيٌ وَقَعَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّبْكِيتِ.
وَتَلْخِيصُهُ: لَا تَحْسَبُوا أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَقَعْ مِنْكُمُ الْجِهَادُ. لَمَّا قَالَ: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا) كَانَ فِي مَعْنَى: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ، أَمْ تَحْسَبُونَ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ مُجَاهَدَةٍ وَصَبْرٍ. وَإِنَّمَا اسْتُبْعِدَ هَذَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْجِهَادَ قَبْلَ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، وَأَوْجَبَ الصَّبْرَ عَلَى تَحَمُّلِ مَشَاقِّهَا، وَبَيَّنَ وُجُوهَ مَصَالِحِهَا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا. فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مِنَ الْبُعْدِ أَنْ يَصِلَ الْإِنْسَانُ إِلَى السَّعَادَةِ وَالْجَنَّةِ مَعَ إِهْمَالِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّ أَمْ مُتَّصِلَةٌ، وَحَسِبْتُمْ هُنَا بِمَعْنَى ظَنَنْتُمُ التَّرْجِيحِيَّةِ.
وَفِي إِنْكَارِ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنِ ظَنَّ أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ يَكُونُ مَعَ انْتِفَاءِ الْجِهَادِ، وَالصَّبْرِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ دَلِيلٌ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْجِهَادِ إِذْ ذَاكَ، وَالثَّبَاتِ لِلْعَدُوِّ وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ التَّوَلِّيَ عِنْدَ الزَّحْفِ مِنَ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ» .