قَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: هِيَ مُحْكَمَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَعَنْ ابْنِ جُبَيْرٍ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: إِنْ أَرَادَ الرَّجُلُ مِنَّا أَنْ يَأْتِيَ مُحَمَّدًا بَعْدَ انْقِضَاءِ هَذَا الْأَجَلِ لِيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، أَوْ يَأْتِيَهُ لِحَاجَةِ قُتِلَ؟ قَالَ: لَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ) الْآيَة. انْتَهَى.
وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ إِنَّمَا كَانَ حُكْمُهَا مُدَّةَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ الَّتِي ضُرِبَتْ لَهُمْ أَجَلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ.
وَلَمَّا أَمَرَ تَعَالَى بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وُجِدُوا، وَأَخْذِهِمْ وَحَصْرِهُمْ وَطَلَبِ غِرَّتَهُمْ، ذَكَرَ لَهُمْ حَالَةً لَا يُقْتَلُونَ فِيهَا وَلَا يُؤْخَذُونَ وَيُؤْسَرُونَ، وَتِلْكَ إِذَا جَاءَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مُسْتَرْشِدًا طَالِبًا لِلْحُجَّةِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى مَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الدِّينِ.
فَالْمَعْنَى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ، أَيْ طَلَبَ مِنْكَ أَنْ تَكُونَ مُجِيرًا لَهُ وَذَلِكَ بَعْدَ انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ لِيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ وَمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَيَقِفَ عَلَى مَا بُعِثْتَ بِهِ، فَكُنْ مُجِيرًا لَهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ وَيَتَدَبَّرَهُ، وَيَطَّلِعَ عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، ثُمَّ أَبْلِغْهُ دَارَهُ الَّتِي يَأْمَنُ فِيهَا إِنْ لَمْ يُسْلِمْ، ثُمَّ قَاتِلْهُ إِنْ شِئْتَ مِنْ غَيْرِ غَدْرٍ ولا خيانة.
وَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ أَعْظَمَ الْمُعْجِزَاتِ، عُلِّقُ السَّمَاعُ بِهِ، وَذُكِرَ السَّمَاعُ لِأَنَّهُ الطَّرِيقُ إِلَى الْفَهْمِ.
وَقَدْ يُرَادُ بِالسَّمَاعِ الْفَهْمُ تَقُولُ لِمَنْ خَاطَبْتَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْكَ: أَنْتَ لَمْ تَسْمَعْ، تريد لم تفهم.
و (كلامَ اللَّهِ) مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، لَا مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَخْلُوقِ إِلَى الْخَالِقِ وَ (مَأْمَنَهُ) مَكَانُ أَمْنِهِ.
وَقِيلَ: مَأْمَنُهُ مَصْدَرٌ، أَيْ ثُمَّ أَبْلِغْهُ أَمْنَهُ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: «حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ» عَلَى حُدُوثِ كَلَامِ اللَّهِ، لِأَنَّهُ لَا يُسْمَعُ إِلَّا الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ. وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ حُدُوثُ ذَلِكَ، وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ فِي التَّوْحِيدِ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ، إِذْ عُصِمَ دَمُ الْكَافِرِ الْمُهْدَرِ الدَّمِ بِطَلَبِهِ النَّظَرَ وَالِاسْتِدْلَالَ، وَأَوْجَبَ عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ.
وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ غَيْرُ كَافٍ فِي الدِّينِ، إِذْ كَانَ لَا يُمْهَلُ بَلْ يُقَالُ لَهُ: إِمَّا أَنْ تُسْلِمَ، وَإِمَّا أَنْ تُقْتَلَ.
وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ سَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ لَا يُقَرُّ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ، بَلْ يُبْلَغُ مَأْمَنَهُ، وَأَنَّهُ يَجِبُ حِفْظُهُ وَحَوْطَتُهُ مُدَّةً يَسْمَعُ فِيهَا كَلَامَ اللَّهِ.
وَالْخِطَابُ بقوله: (استجارك) و (فأجره) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَمَانَ السُّلْطَانِ جَائِزٌ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَالْحُرُّ يَمْضِي أَمَانُهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْظُرُ الْإِمَامُ فِيهِ، وَالْعَبْدُ [قيل] لَهُ الْأَمَانُ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَمَانَ لَهُ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَالْحُرَّةُ لَهَا الْأَمَانُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا، إِلَّا أَنْ يُجِيرَهُ الْإِمَامُ، وَقَوْلُهُ شَاذٌّ.
وَالصَّبِيُّ إِذَا أَطَاقَ الْقِتَالَ جَازَ أَمَانُهُ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ، أَيْ ذَلِكَ الْأَمْرَ بِالْإِجَارَةِ وَإِبْلَاغِ الْمَأْمَنِ، بِسَبَبِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ جَهَلَةٌ لَا يَعْلَمُونَ مَا الْإِسْلَامُ وَمَا حَقِيقَةُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِعْطَائِهِمُ الْأَمَانَ حَتَّى يَسْمَعُوا وَيَفْهَمُوا الْحَقَّ.
قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا اللُّطْفِ فِي الْإِجَارَةِ وَالْإِسْمَاعِ وَتَبْلِيغِ الْمَأْمَنِ (لَا يَعْلَمُونَ) نَفَى عِلْمَهُمْ بِمَرَاشِدِهِمْ فِي اتِّبَاعِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.