فهرس الكتاب

الصفحة 2757 من 4059

{وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) }

(وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا)

هَذَا أَمْرٌ بِتَرْكِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ أَتْبَاعِ الْإِسْلَامِ حِينَئِذٍ.

قَالَ قَتَادَةُ: ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ بِالْقِتَالِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّمَا هُوَ أَمْرُ تَهْدِيدٍ وَوَعِيدٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) وَلَا نَسْخَ فِيهَا لِأَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ خَبَرًا وَهُوَ التَّهْدِيدُ وَدِينُهُمْ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ والجوامي وَالْوَصَائِلِ وَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالطَّوَافِ حَوْلَ الْبَيْتِ عُرَاةً يُصَفِّرُونَ وَيُصَفِّقُونَ أَوِ الَّذِي كُلِّفُوهُ وَدُعُوا إِلَيْهِ وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ لَعِبًا وَلَهْوًا حَيْثُ سخروا به واستهزؤوا، أَوْ عِبَادَتَهَمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَغْرِقِينَ فِي اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْعَزْفِ وَالرَّقْصِ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ عِبَادَةٌ إِلَّا ذَلِكَ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَأَضَافَ الدِّينَ إِلَيْهِمْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا اللَّهْوَ وَاللَّعِبَ دِينًا.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى اتَّخَذُوا دِينَهُمْ الَّذِي كان ينبغي لهم

لَعِبًا وَلَهْوًا انْتَهَى.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا يُعَظِّمُونَهُ وَيُصَلُّونَ فِيهِ وَيُعَمِّرُونَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلِ الْكِتَابِ اتَّخَذُوا عِيدَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا غَيْرَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ عِيدَهُمْ كَمَا شَرَعَهُ اللَّهُ

وَمَعْنَى (ذَرْهُمْ) أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَلَا تُبَالِ بِتَكْذِيبِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ وَلَا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهِمْ انْتَهَى.

(وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا)

أَيْ خَدَعَتْهُمُ الْغُرُورُ وَهِيَ الْأَطْمَاعُ فِيمَا لَا يُتَحَصَّلُ فَاغْتَرُّوا بِنِعَمِ اللَّهِ وَرِزْقِهِ وَإِمْهَالِهِ إِيَّاهُمْ.

وَقِيلَ: غَرَّتْهُمْ بِتَكْذِيبِهِمْ بِالْبَعْثِ.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: لِأَجْلِ اسْتِيلَاءِ حُبِّ الدُّنْيَا أَعْرَضُوا عَنْ حَقِيقَةِ الدِّينِ وَاقْتَصَرُوا عَلَى تَزْيِينِ الظَّوَاهِرِ لِيَتَوَصَّلُوا بِهَا إِلَى حُطَامِ الدُّنْيَا انْتَهَى.

وَقِيلَ: غَرَّتْهُمُ مِنَ الْغَرِّ بِفَتْحِ الْغَيْنِ أَيْ مَلَأَتْ أَفْوَاهَهُمْ وَأَشْبَعَتْهُمْ.

(وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ)

الضَّمِيرُ فِي (بِهِ) عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ أَوْ عَلَى الَّذِينَ أَوْ عَلَى حِسابِهِمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَوْلَاهَا الْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ)

و (تُبْسَلَ)

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُفْضَحُ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ: تُسْلَمُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: تُحْبَسُ وَتُرْتَهَنُ.

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَابْنُ زَيْدٍ وَالْأَخْفَشُ: تُجْزَى.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تُحْرَقُ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ أَيْضًا: يؤخذ. وقال مؤرخ: تُعَذَّبُ.

وَقِيلَ يُحَرَّمُ عَلَيْهَا النَّجَاةُ وَدُخُولُ الْجَنَّةِ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: اسْتَحْسَنَ بَعْضُ شُيُوخِنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ: تُسْلَمُ بِعَمَلِهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ لِأَنَّهُ يُقَالُ: اسْتَبْسَلَ لِلْمَوْتِ أَيْ رَأَى ما لا يقدر على دَفْعِهِ.

وَأُضْمِرَ الْإِبْسَالُ لِمَا فِي الْإِضْمَارِ مِنَ التَّفْخِيمِ كَمَا أُضْمِرَ الْأَمْرُ وَالشَّأْنُ وَفُسِّرَ بِالْبَدَلِ، وَهُوَ الْإِبْسَالُ فَالتَّقْدِيرُ وَذَكِّرْ بِارْتِهَانِ النُّفُوسِ وَحَبْسِهَا بِمَا كَسَبَتْ.

(لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ)

أَيْ من دون عَذَابِ اللَّهِ.

(وَلِيٌّ) فَيَنْصُرُهَا. (وَلا شَفِيعٌ) فَيَدْفَعُ عَنْهَا بِمَسْأَلَتِهِ.

(وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْها)

أَيْ وَإِنْ تُفْدِ كُلَّ فِدَاءٍ وَالْعَدْلُ الْفِدْيَةُ لِأَنَّ الْفَادِيَ يَعْدِلُ الْفِدَاءَ بِمِثْلِهِ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِالْعَدْلِ هُنَا ضِدُّ الْجَوْرِ وَهُوَ الْقِسْطُ أَيْ وَإِنْ تُقْسِطْ كُلَّ قِسْطٍ بِالتَّوْحِيدِ وَالِانْقِيَادِ بَعْدَ الْعِنَادِ.

وَضَعَّفَ هَذَا الْقَوْلَ الطَّبَرِيُّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ تَوْبَةَ الْكَافِرِ مَقْبُولَةٌ، وَلَا يَلْزَمُ هَذَا لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ حَالِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ حَالُ مُعَايَنَةٍ وَإِلْجَاءٍ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ.

(أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا)

الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى الَّذِينَ اتَّخَذُوا.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أُولئِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْجِنْسِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت