فهرس الكتاب

الصفحة 3320 من 4059

{كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(7)}

هَذَا اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّعَجُّبُ وَالِاسْتِنْكَارُ وَالِاسْتِبْعَادُ.

قَالَ التَّبْرِيزِيُّ وَالْكَرْمَانِيُّ: مَعْنَاهُ النَّفْيُ، أَيْ لَا يَكُونُ لَهُمْ عَهْدٌ وَهُمْ لَكُمْ ضِدٌّ. وَنَبَّهَ عَلَى عِلَّةِ انْتِفَاءِ الْعَهْدِ بِالْوَصْفِ الَّذِي قَامَ بِهِ وَهُوَ الْإِشْرَاكُ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَفِي الْآيَةِ إِضْمَارٌ، أَيْ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مَعَ إِضْمَارِ الْغَدْرِ وَالنَّكْثِ؟ انْتَهَى.

وَالِاسْتِفْهَامُ يُرَادُ بِهِ النَّفْيُ كَثِيرًا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

فَهَا ذِي سُيُوفٌ يَا هُدَى بْنَ مَالِكٍ ... كَثِيرٌ وَلَكِنْ لَيْسَ بِالسَّيْفِ ضَارِبٌ

أَيْ لَيْسَ بِالسَّيْفِ ضَارِبٌ.

وَلَمَّا كَانَ الِاسْتِفْهَامُ مَعْنَاهُ النَّفْيُ، صَلَحَ مَجِيءُ الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ مُتَّصِلٌ.

وَقِيلَ: مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

قَالَ الْحَوْفِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) فِي موضع خبر عَلَى الْبَدَلِ مِنَ (الْمُشْرِكِينَ) لِأَنَّ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ النَّفْيُ، أَيْ: لَيْسَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ إِلَّا الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قُرَيْشٌ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: بَنُو جَذِيمَةَ بْنِ الدِّيلِ.

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَبَائِلُ بَنِي بَكْرٍ كَانُوا دَخَلُوا وَقْتَ الْحُدَيْبِيَةَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَقُرَيْشٍ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَبَنِي كِنَانَةَ وَبَنِي ضَمْرَةَ.

وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ: هُمْ خُزَاعَةُ، وَرُدَّ بِإِسْلَامِهِمْ عَامَ الْفَتْحِ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمْ قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، فَنَزَلَ تَأْجِيلُهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَضُعِّفَ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ قُرَيْشًا بَعْدَ الْأَذَانِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إِلَّا مُسْلِمٌ، وَذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَةٍ، وَكَذَلِكَ خُزَاعَةُ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ.

(فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ) عَلَى الْعَهْدِ (فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) عَلَى الْوَفَاءِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أَيْ: اسْتَقِيمُوا لَهُمْ مُدَّةَ اسْتِقَامَتِهِمْ، وَلَيْسَتْ شَرْطِيَّةً.

وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: هِيَ شَرْطِيَّةٌ كَقَوْلِهِ: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ) انْتَهَى.

فَكَانَ التَّقْدِيرُ: مَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ مِنْ زَمَانٍ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ.

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)

يَعْنِي أَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ من أخلاق المتقين،

وَالتَّرَبُّصَ بِهَؤُلَاءِ إِنِ اسْتَقَامُوا مِنْ أَعْمَالِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالتَّقْوَى تَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ وَالْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت