فهرس الكتاب

الصفحة 1731 من 4059

{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(99)}

قَالَ الرَّاغِبُ: وقد جاء (يا أَهْلَ الْكِتابِ) دُونَ (قُلْ) وَجَاءَ هُنَا (قُلْ) فَبِدُونِ (قُلْ) هُوَ اسْتِدْعَاءٌ مِنْهُ تَعَالَى لَهُمْ إِلَى الْحَقِّ، فَجَعَلَ خِطَابَهُمْ مِنْهُ اسْتِلَانَةً لِلْقَوْمِ لِيَكُونُوا أَقْرَبَ إِلَى الِانْقِيَادِ.

وَلَمَّا قَصَدَ الْغَضَّ مِنْهُمْ ذَكَرَ قُلْ تَنْبِيهًا عَلَى أنهم غير متساهلين أَنْ يُخَاطِبَهُمْ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ كِلَا الْخِطَابَيْنِ وَصَلَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَأَطْلَقَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى الْمَدْحِ تَارَةً، وَعَلَى الذَّمِّ أُخْرَى. وَأَهْلُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لَا يَنْطَلِقُ إِلَّا عَلَى الْمَدْحِ، لِأَنَّ الْكِتَابَ قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا افْتَعَلُوهُ دُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ نَحْوَ: (يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ) وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ.

وَأَيْضًا فَقَدْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ عَلَى سَبِيلِ الذَّمِّ وَالتَّهَكُّمِ، كَمَا لَوْ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَنْ لَا يَعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، انتهى ما لخص من كَلَامِهِ.

وَالْهَاءُ فِي يَبْغُونَهَا عَائِدَةٌ عَلَى السَّبِيلِ.

قَالَ الزَّجَّاجُ وَالطَّبَرِيُّ: يَطْلُبُونَ لَهَا اعْوِجَاجًا.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُوَ مُحَالٌ؟

(قُلْتُ) فِيهِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّكُمْ تَلْبِسُونَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تُوهِمُوهُمْ أَنَّ فِيهَا عِوَجًا بِقَوْلِكُمْ: إِنَّ شَرِيعَةَ مُوسَى لَا تُنْسَخُ، وَبِتَغْيِيرِكُمْ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَجْهِهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَالثَّانِي: أَنَّكُمْ تُتْعِبُونَ أَنْفُسَكُمْ فِي إِخْفَاءِ الْحَقِّ، وَابْتِغَاءِ مَا لَا يَتَأَتَّى لَكُمْ مِنْ وُجُودِ الْعِوَجِ فِيمَا هُوَ أَقْوَمُ مِنْ كُلِّ مُسْتَقِيمٍ انْتَهَى.

وَقِيلَ: يَبْغُونَ هُنَا مِنَ الْبَغْيِ وَهُوَ التَّعَدِّي. أَيْ يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهَا، أو فيها.

(وَأَنْتُمْ شُهَداءُ)

أَيْ بالعقل نحو: «وألقى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ» أَيْ عَارِفٌ بِعَقْلِهِ، وَتَارَةً بِالْفِعْلِ. نَحْوَ قَالَ: «فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» وَتَارَةً بِإِقَامَةِ ذَلِكَ، أَيْ شَهِدْتُمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ بَعْثِهِ عَلَى مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ صِفَتِهِ وَصِدْقِهِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ أَنَّهَا سَبِيلُ اللَّهِ الَّتِي لَا يَصُدُّ عَنْهَا إِلَّا ضَالٌّ مُضِلٌّ. أَوْ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ بَيْنَ أَهْلِ دِينِكُمْ عُدُولٌ يَثِقُونَ بِأَقْوَالِكُمْ، وَيَسْتَشْهِدُونَ فِي عِظَامِ أُمُورِهِمْ، وَهُمُ الْأَحْبَارُ انْتَهَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت