فهرس الكتاب

الصفحة 2705 من 4059

{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(38)}

قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَمَوْضِعُ الِاحْتِجَاجِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ رَكَّبَ فِي الْمُشْرِكِينَ عُقُولًا وَجَعَلَ لَهُمْ أَفْهَامًا أَلْزَمَهُمْ بِهَا أَنْ يَتَدَبَّرُوا أَمْرَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا جَعَلَ لِلدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ أَفْهَامًا يَعْرِفُ بِهَا بَعْضُهَا إِشَارَةَ بَعْضٍ، وَهَدَى الذَّكَرَ مِنْهَا لِإِتْيَانِ الْأُنْثَى، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَفَاذِ قُدْرَةِ الْمُرَكِّبِ ذَلِكَ فِيهَا.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى آيَاتِ اللَّهِ الْمَوْجُودَةِ فِي أَنْوَاعِ مَخْلُوقَاتِهِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا الْغَرَضُ فِي ذِكْرِ ذَلِكَ؟

قُلْتُ: الدَّلَالَةُ عَلَى عِظَمِ قُدْرَتِهِ وَلُطْفِ عِلْمِهِ وَسَعَةِ سُلْطَانِهِ وَتَدْبِيرِهِ تِلْكَ الْخَلَائِقَ الْمُتَفَاوِتَةَ الْأَجْنَاسِ الْمُتَكَاثِرَةَ الْأَصْنَافِ، وَهُوَ لِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مُهَيْمِنٌ عَلَى أَحْوَالِهَا لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وَأَنَّ الْمُكَلَّفِينَ لَيْسُوا مَخْصُوصِينَ بِذَلِكَ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ انْتَهَى.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا حَكَى عَنْ هَؤُلَاءِ قَوْلَهُمْ (لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) وَلَمْ يَعْتَبِرُوا مَا نَزَلَ مِنَ الْآيَاتِ وَأُجِيبُوا بِأَنَّ الْقُدْرَةَ صَالِحَةٌ لِإِنْزَالِ آيَةٍ وَهِيَ الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوهَا وَنُبِّهُوا عَلَى جَهْلِهِمْ حَيْثُ فَرَّقُوا بَيْنَ آيَةٍ وَآيَةٍ أُخْبِرُوا أَنَّهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَجَمِيعَ الْحَيَوَانِ غَيْرَهُمْ مُتَمَاثِلُونَ فِي تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ بِالْجَمِيعِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ خَلْقِ مَنْ كُلِّفَ وَمَا لَمْ يُكَلَّفْ فِي تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِهِمَا وَإِبْرَازِهِمَا مِنْ صَرْفِ الْعَدَمِ إِلَى صَرْفِ الْوُجُودِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ الْقُدْرَةُ تَعَلَّقَتْ بِالْآيَاتِ كُلِّهَا مُقْتَرَحِهَا وَغَيْرِ مُقْتَرَحِهَا كَمَا تَعَلَّقَتْ بِخَلْقِكُمْ وَخَلْقِ سَائِرِ الْحَيَوَانِ، فَالْإِمْكَانُ هُوَ الْجَامِعُ بَيْنَ كُلِّ ذَلِكَ

وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ) يَعْنِي فِي تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِإِيجَادِهَا كَتَعَلُّقِهَا بِإِيجَادِكُمْ. وَكَذَلِكَ الْآيَاتُ.

وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْآيَاتِ الْوَارِدَةَ عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ قَدْ تَكُونُ بِاخْتِرَاعِ أَعْيَانٍ، كَالْمَاءِ الَّذِي نَبَعَ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ وَالطَّعَامِ الَّذِي تَكَثَّرَ مِنْ قَلِيلٍ، كَمَا أَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ هِيَ أَعْيَانٌ مُخْتَرَعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَأَنَّ النِّسْبَةَ بِمُمَاثَلَةِ الْحَيَوَانِ لِلْإِنْسَانِ دُونَ ذِكْرِ الْجَمَادِ وَدُونَ ذِكْرِ مَا يَعُمُّهَا من حيث قسوة الْمُمَاثَلَةِ فِي الشُّعُورِ بِالْأَشْيَاءِ وَالِاهْتِدَاءِ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمَصَالِحِ بِخِلَافِ الْجَمَادِ، وَإِنْ كَانَتِ الْقُدْرَةُ مُتَعَلّقَةً بِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَدَابَّةٌ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا، وَهِيَ هُنَا فِي سِيَاقِ النفي مصحوبة بـ (مِن) الَّتِي تُفِيدُ اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ، فَهِيَ عَامَّةٌ تَشْمَلُ كُلَّ مَا يَدُبُّ فَيَنْدَرِجُ فِيهَا الطَّائِرُ، فَذِكْرُ الطَّائِرِ بَعْدَ ذِكْرِ الدَّابَّةِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، وَذِكْرُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ وَصَارَ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدُ كَقَوْلِهِ: (وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) بَعْدَ ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ.

وَإِنَّمَا جُرِّدَ الطَّائِرُ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِي الْوُجُودِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ أَبْلَغُ فِي الْقُدْرَةِ وَأَدَلُّ عَلَى عِظَمِهَا مِنْ تَصَرُّفِ غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ فِي الْأَرْضِ، إِذِ الْأَرْضُ جِسْمٌ كَثِيفٌ يُمْكِنُ تَصَرُّفُ الْأَجْرَامِ عَلَيْهَا، وَالْهَوَاءُ جِسْمٌ لَطِيفٌ لَا يُمْكِنُ عَادَةً تَصَرُّفُ الْأَجْرَامِ الْكَثِيفَةِ فِيهَا إِلَّا بِبَاهِرِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ)

وَجَاءَ قَوْلُهُ (فِي الْأَرْضِ) إِشَارَةً إِلَى تَعْمِيمِ جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ لَمَّا كَانَ لَفْظُ (مِنْ دَابَّةٍ) وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ أَتَى بِالْمُتَصَرَّفِ فِيهِ عَامًّا وهو الْأَرْضِ، ويشمل الْأَرْضُ الْبَرَّ وَالْبَحْرَ، وَ (يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ (وَلا طائِرٍ) لِأَنَّهُ لَا طَائِرَ إِلَّا يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ، وَلِيَرْفَعَ الْمَجَازِ الَّذِي كَانَ يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ (وَلا طائِرٍ) لَوِ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى إِلَى اسْتِعَارَةِ الطَّائِرِ لِلْعَمَلِ فِي قَوْلِهِ: (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)

وَقَوْلِهِمْ: «طَارَ لِفُلَانٍ كَذَا فِي الْقِسْمَةِ» أَيْ سَهْمُهُ، و «طائر السَّعْدِ وَالنَّحْسِ»

وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَصَوُّرِ هَيْئَتِهِ عَلَى حَالَةِ الطَّيَرَانِ وَاسْتِحْضَارٌ لِمُشَاهَدَةِ هَذَا الْفِعْلِ الْغَرِيبِ.

وَجَاءَ الْوَصْفُ بِلَفْظِ «يَطِيرُ» لِأَنَّهُ مُشْعِرٌ بِالدَّيْمُومَةِ وَالْغَلَبَةِ، لِأَنَّ أَكْثَرَ أَحْوَالِ الطَّائِرِ كَوْنُهُ يَطِيرُ، وَقَلَّ مَا يَسْكُنُ، حَتَّى أَنَّ الْمَحْبُوسَ مِنْهَا يَكْثُرُ وُلُوعُهُ بِالطَّيَرَانِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي حُبِسَ فِيهِ مِنْ قَفَصٍ وَغَيْرِهِ.

وَالْمِثْلِيَّةُ هُنَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَمْثَالُكُمْ مَكْتُوبَةٌ أَرْزَاقُهَا وَآجَالُهَا وَأَعْمَالُهَا كَمَا كُتِبَتْ أَرْزَاقُكُمْ وَآجَالُكُمْ وأعمالكم انتهى.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ مُمَاثِلَةٌ لِلنَّاسِ فِي الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَالْحَشْرِ.

وَقَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاخْتِيَارُ الزَّجَّاجِ الْمُمَاثَلَةَ فِي أَنَّهَا تُجَازَى بِأَعْمَالِهَا وَتُحَاسَبُ وَيَقْتَصُّ لِبَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ، عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْأَحَادِيثِ.

وَقَالَ مَكِّيٌّ فِي أَنَّهَا تَعْرِفُ اللَّهَ تَعَالَى وَتَعْبُدُهُ.

وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ.

قَالَ مَعْنَاهُ إِلَّا أَجْنَاسٌ يَعْرِفُونَ اللَّهَ وَيَعْبُدُونَهُ.

وَنَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ حَصَلَتْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ يَعْرِفُونَ اللَّهَ وَيُوَحِّدُونَهُ وَيَحْمَدُونَهُ وَيُسَبِّحُونَهُ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) وَبِقَوْلِهِ فِي صِفَةِ الْحَيَوَانِ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَبِمَا بِهِ خَاطَبَ النَّمْلَ وَخَاطَبَ الْهُدْهُدَ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي قَوْلِ مَكِّيٍّ وَهَذَا قَوْلُ خَلَفٍ انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُمَاثَلَةُ فِي كَوْنِهَا أُمَمًا لَا غَيْرَ. كَمَا تُرِيدُ بِقَوْلِكَ:

مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مِثْلِكَ. أَيْ أي أَنَّهُ رَجُلٌ.

وَيَصِحُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْصَافِ إِلَّا أَنَّ الْفَائِدَةَ فِي هَذِهِ أَنْ تَكُونَ الْمُمَاثَلَةُ فِي أَوْصَافٍ غَيْرِ كَوْنِهَا أمما.

وقال مُجَاهِدٌ إِلَّا أَصْنَافٌ مُصَنَّفَةٌ.

وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمُمَاثَلَةُ وَقَعَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَنِي آدَمَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَفْقَهُ عَنْ بَعْضٍ.

وَقَالَ ابْنُ عِيسَى أَمْثَالُكُمْ فِي الْحَاجَةِ إِلَى مُدَبِّرٍ يُدَبِّرُهُمْ فِيمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ قُوتٍ يَقُوتُهُمْ وَإِلَى لِبَاسٍ يسترهم، وإلى كنّ يُوَارِيهِمْ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ: أُبْهِمَتْ عُقُولُ الْبُهْمِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:

الْإِلَهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَطَلَبِ الرِّزْقِ، وَمَعْرِفَةِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَتَهَيُّؤِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ.

وَقِيلَ الْمُمَاثَلَةُ فِي كَوْنِهَا جَمَاعَاتٍ مَخْلُوقَةً يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَأْنَسُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَتَتَوَالَدُ كَالْإِنْسِ.

وَرَوَى أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ مَا فِي الْأَرْضِ آدَمِيٌّ إِلَّا وَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ بَعْضِ الْبَهَائِمِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُقْدِمُ إِقْدَامَ الْأَسَدِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْدُو عَدْوَ الذِّئْبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْبَحُ نُبَاحَ الْكِلَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَطَوَّسُ كَفِعْلِ الطَّاوُوسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْرَهَ شَرَهَ الْخِنْزِيرِ.

وَفِي رِوَايَةٍ مِنْهُمْ مَنْ يُشْبِهُ الْخِنْزِيرَ إِذَا أُلْقِيَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ الطَّيِّبُ تَرَكَهُ وَإِذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنْ رَجِيعِهِ وَلَغَ فِيهِ.

وَكَذَلِكَ تَجِدُ مِنَ الْآدَمِيِّينَ مَنْ لَوْ سَمِعَ خَمْسِينَ حِكْمَةً لَمْ يَحْفَظْ مِنْهَا وَاحِدَةً. فَإِنْ أَخْطَأَتْ وَاحِدَةٌ حَفِظَهَا ولم يجلس مجلسا إلا رَوَاهَا عَنْكَ

(مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ)

أَيْ مَا تَرَكْنَا وَمَا أَغْفَلْنَا وَالْكِتَابُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ.

وَالْمَعْنَى وَمَا أَغْفَلْنَا فِيهِ مِنْ شَيْءٍ لَمْ نَكْتُبْهُ وَلَمْ نُثْبِتْ مَا وَجَبَ أَنْ يُثْبَتَ.

قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، أَوِ الْقُرْآنُ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْآيَةِ وَالْمَعْنَى وَبَدَأَ بِهِ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ وَذَكَرَ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: (مِنْ شَيْءٍ) عَلَى عُمُومِهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ فَالْمَعْنَى مِنْ شَيْءٍ عَلَى عُمُومِهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ فَالْمَعْنَى مِنْ شَيْءٍ يَدْعُو إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَتَكَالِيفِهِ، وَكَثِيرًا مَا يَسْتَدِلُّ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ بِقَوْلِهِ:

(مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْكِتَابَ تَضَمَّنَ الْأَحْكَامَ التَّكْلِيفِيَّةَ كُلَّهَا.

وَالتَّفْرِيطُ التَّقْصِيرُ فَحَقُّهُ أَنْ يتعدى بـ (في) كَقَوْلِهِ (عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ قَدْ ضَمِنَ مَا أَغْفَلْنَا وَمَا تَرَكْنَا.

(ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)

الظَّاهِرُ فِي الضَّمِيرِ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْأُمَمُ كُلُّهَا مِنَ الطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ.

وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ عَائِدٌ عَلَى الْكُفَّارِ لَا عَلَى أُمَمٍ وَمَا تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ مُعْتَرِضٌ وَإِقَامَةٌ وَحُجَجٌ وَيُرَجِّحُ هَذَا الْقَوْلَ كَوْنُهُ جَاءَ بِهِمْ وَبِالْوَاوِ الَّتِي هِيَ لِلْعُقَلَاءِ، وَلَوْ كَانَ عَائِدًا عَلَى أُمَمِ الطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ لَكَانَ التَّرْكِيبُ ثُمَّ إِلَيَّ رَبِّهَا تُحْشَرُ وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مُمْتَثِلَةً ما أَرَادَ اللَّهُ مِنْهَا، أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْعُقَلَاءِ وَأَصْلُ الْحَشْرِ الْجَمْعُ وَمِنْهُ (فَحَشَرَ فَنَادَى)

وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْبَعْثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، فَتُحْشَرُ الْبَهَائِمُ وَالدَّوَابُّ وَالطَّيْرُ وَفِي ذَلِكَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يَحْشُرُ اللَّهُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْبَهَائِمَ وَالدَّوَابَّ وَالطَّيْرَ وَكُلَّ شَيْءٍ، فَيَبْلُغُ مِنْ عَدْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَئِذٍ أَنْ يأخذ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ ثُمَّ يَقُولَ: كُونِي تُرَابًا فذلك قوله تعالى: (يَقُولُ الْكافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا) .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ فِي آخَرِينَ: حَشْرُ الدَّوَابِّ مَوْتُهَا لِأَنَّ الدَّوَابَّ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهَا وَلَا تَرْجُو ثَوَابًا وَلَا تَخَافُ عِقَابًا وَلَا تَفْهَمُ خِطَابًا انْتَهَى.

وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ تَأَوَّلَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى مَعْنَى التَّمْثِيلِ فِي الْحِسَابِ وَالْقَصَّاصِ حَتَّى يَفْهَمَ كُلُّ مُكَلَّفٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَلَا مَحِيصَ وَأَنَّهُ الْعَدْلُ الْمَحْضُ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْقَوْلُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمِّنَةِ أَنَّ اللَّهَ يَقْتَصُّ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ، أَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنِ الْعَدْلِ وَلَيْسَتْ بِحَقِيقَةِ قَوْلِ مَرْذُولٍ يَنْحُو إِلَى الْقَوْلِ بِالرُّمُوزِ وَنَحْوِهَا انتهى.

وقال ابن فورك: الْقَوْلُ بِحَشْرِهَا مَعَ بَنِي آدَمَ أَظْهَرُ انْتَهَى.

وَعَلَى الْقَوْلِ بِحَشْرِ الْبَهَائِمِ مَعَ النَّاسِ اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي تُحْشَرُ لِأَجْلِهِ، فَذَهَبَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّهَا لِإِظْهَارِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِعَادَةِ وَفِي ذَلِكَ تَخْجِيلٌ لِمَنْ أَنْكَرَ ذلك فقال: (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)

وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: يَحْشُرُ اللَّهُ الْبَهَائِمَ وَالطَّيْرَ لِإِيصَالِ الْأَعْوَاضِ إِلَيْهَا وكذلك قال الزمخشري، فيعوضها وَيُنْصِفُ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ كَمَا

رُوِيَ أَنَّهُ يَأْخُذُ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقُرَنَاءِ انْتَهَى.

وَطَوَّلَ الْمُعْتَزِلَةُ فِي إِيصَالِ التَّعْوِيضِ عَنْ آلَامِ الْبَهَائِمِ وَضَرَرِهَا وَأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.

وَفَرَّعُوا فُرُوعًا وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِوَضِ أَهْوَ مُنْقَطِعٌ أَمْ دَائِمٌ؟ فَذَهَبَ الْقَاضِي وَأَكْثَرُ مُعْتَزِلَةِ الْبَصْرَةِ إِلَى أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ فَبَعْدَ تَوْفِيَةِ الْعِوَضِ يَجْعَلُهَا تُرَابًا.

وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَلْخِيُّ: يَجِبُ كَوْنُ الْعِوَضِ دَائِمًا.

وَقِيلَ: تَدْخُلُ الْبَهَائِمُ الْجَنَّةَ وَتُعَوَّضُ عَنْ مَا نَالَهَا مِنَ الْآلَامِ وَكُلُّ مَا قَالَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجِبُ عَلَيْهِ إِيصَالُ الْأَعْوَاضِ إِلَى الْبَهَائِمِ عَنِ الْآلَامِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهَا فِي الدُّنْيَا، وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْإِيجَابَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت